حسن السبع

الصورة أكثر وضوحا في مرآة الفن

يأتمر التاريخ بأمر الأقوياء، فيصمت حين يكون الصمت مطلوبا، ويمتطي حصان البلاغة حين يُراد له ذلك. وحين يكتب الخصوم التاريخَ يُفتح بابُ التزييف على مصراعيه. أما تاريخ الإرهاب والنزعات الفاشية والنازية فلا حاجة لتدخل الخصوم، ذلك أن المساوئ تتحدث عن نفسها. لكن الصورة تبدو أكثر وضوحا في مرآة الفن.بين الإرهاب وتلك الحركات قواسم مشتركة. فهما وجهان لعملة واحدة. كلاهما يستخدم القوة للوصول إلى السلطة، وكلاهما يمارس العنف ضد الآخر المختلف، سواء كان عنفا جسديا أم عنفا لغويا. وتلتقي جميعها في ادعاء التفوق العرقي والثقافي، وفي وسائل تطبيق ذلك الادعاء. يَحْلق نظراؤهم من النازيين الجدد، في بلدان الغرب، رؤوسهم "على الصِّفر". إلا أنهم جميعا صُلْعُ التفكير، وبعقول وضمائر طلَّقت القيمَ الإنسانية الجميلة طلاقاً بائنا.لكن، حتى الإرهاب بأشكاله ومرجعياته المختلفة لم يعدم من يحاول تغطية سوءاته، وتبرير مقاصده بطرقٍ وأساليبَ ملتوية، أو يتضامن معه بشكل مضمر، وبلغة مراوغة، وذرائع متعددة. وقد يفاجئك أحدهم بقوله: "أنا لست مع العنف والإرهاب.. ولكن"! أو "أنا لست عرقيا.. ولكن". وهذه الـ "لكن" شبيهة بـ "حتى" في الهفوة اللغوية التي قد يزلُّ بها لسان مواطن غربي أبيض حين يقول: "أنا لست عنصرياً لأني أحب كلَّ الناس، حتى العرب والأفارقة"! وتعجب كيف استطاعت "لكن" أو "حتى" أن تجدا لهما مكانا في العبارتين السابقتين. أثناء الدراسة في مدينة بيزانصون الفرنسية، نظم معهد اللغة زيارة لأحد متاحف المدينة. كانت معروضات المتحف مكرَّسةً جميعها لإظهار جرائم النازية. ذهبنا جميعا، وتخلَّفَت زميلة ألمانية عن الذهاب، مع أنها لم تزر المتحف من قبل. لم تكن نازية بالتأكيد، فهي معجبة بالشاعر لويس أراغون، أبرز شعراء المقاومة ضد الاحتلال النازي. لكن تبين لي لاحقا أن شهادة التاريخ ضد بني جلدتها تزعجها. وهنا مربط الفرس، كما يقال. هنا تستيقظ "لكن" من غفوتها. فالطالبة مونيكا، وهذا هو اسمها، قد تحررت من فخ النازية، إلا أنها وقعت في شراك الشوفينية، أي الوطنية والقومية المفرطة. وقد تكون تلك خطوة أولى على طريق العنصرية والتمييز وتبرير ما لا يمكن تبريره. يقع في هذا المأزق، عادة، من ينظر إلى تلك القضايا من منظور سياسي أو أيديولوجي. لذلك تبدو الصورة أكثر وضوحا في مرآة الفن. ذلك أن للفن الأصيل، غير المؤدلج، رؤيته الصافية، وموقفه المستقل، وصوته المؤثر. ولعل هذا ما يدفع ميلان كونديرا، وهو يتحدث عن الفن الروائي إلى التأكيد على أن الرواية "بوصفها تقوم على نسبية وغموض الأشياء الإنسانية لا تتناسب مع العالم الشمولي، فالحقيقة الشمولية تستبعد النسبية والتساؤل". كذلك تَحَالَف الشعر والغناء والأعمال المسرحية والسينمائية، وتحت عناوين مختلفة، في مواجهة العنصرية والعنف والإرهاب وكل القيم الزائفة. وكانت مرآة الفن أكثر صفاء ونزاهة وصدقا. ولعل ما يزعج حراس الحقيقة الشمولية هو كون الفن وسيلةً لطرح حقائق أخرى مناهضة لتصوراتهم. وأنه أقوى تأثيرا من بقية الوسائل التقليدية التي لا تعمر في ذاكرة الناس طويلا. ادعاء الكمال لا يحقق الكمال. لذلك كانت الشفافية والنقد الذاتي، وما زالا، سر تقدم المجتمعات. وأول ما يلزم الفن لكي يكون شفَّافا في تشخيص كل الآفات الاجتماعية بصوت مسموع، هو مناخ ثقافي واجتماعي منفتح. وفي هذا الزمان العصيب تبدو الحاجة مُلحَّة إلى رؤية ما يدور حولنا من نافذة الأدب والفن!* متخصص في الإدارة المقارنة