محمد بن سلمان في ضيافة موسكو
لفت الأمير محمد بن سلمان أنظار الكثير من القيادات العالمية منذ أن اتضح دوره في القيادة العملية لعمليتي عاصفة الحزم، وإعادة الأمل، ليترجم بُعد نظر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز- حفظه الله-، ودقته في اختيار قيادة شابة لوزارة الدفاع، لا ينتهي حضورها فقط عند حدود ما تتمتع به من حيوية الشباب، وإنما يسندها قدرات قيادية خاصة تستوعب بدقة إملاءات المرحلة، وظروف العصر، وحال المنطقة التي نعيش فيها وما تشهده من أحداث. هذا الواقع سوف يعطي القيادة الشابة التجربة التي سوف تمكنها من بناء تصور موضوعي يستطيع أن يستشرف المستقبل، ويؤسس للصيغة المثلى لمواجهة تلك الاستحقاقات بروح المسؤولية الواعية التي تجنب البلاد والعباد تلك التهورات المخيفة التي تحيط بنا من كل حدب وصوب. لذلك حينما دفع الملك سلمان بن عبدالعزيز بالأميرين محمد بن نايف، ومحمد بن سلمان إلى سدة المسؤولية إلى جانبه- يحفظه الله-، كان يدرك أن طبيعة المرحلة التي تستدعي تواتر الأجيال كمفهوم بيولوجي طبيعي، فإنها أيضا تستدعي ضرورة استحضار قيادات شابة من طراز خاص تقرأ الأحداث، وتتعامل مع السياسات بمنطق العصر الراهن، لنقل البلد بسياساته إلى الوتيرة التي تتناغم مع تلك الواقعات، وهانحن نرى كيف يحتفي العالم بهذه القيادات الشابة التي أثبتت جدارتها، وقدرتها على الإدارة، وعلى التعامل مع الاستحقاقات الاقليمية والدولية بمنطق متوازن، لا تغويه الاصطفافات أو سياسات المحاور، وإنما يعمل وفق منطق الاستقطاب الذي يرعى مصالح البلاد دون أن يستعدي أحدا لحساب أحد، أو يصطف إلى جانب طرف ما ضد طرف آخر، على اعتبار أن رعاية المصالح الوطنية هي ما يلزم التركيز عليه، وهو الرصيد العملي لسياسة الاعتدال التي انتهجتها المملكة طوال تاريخها. وحينما يذهب الامير محمد بن سلمان إلى روسيا لملاقاة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، الذي حرص على مقابلة سموه قبل ملتقى سانت بطرسبورغ الذي يستضيف عددا من القيادات العالمية، في خطوة شديدة الأهمية باتجاه معاودة التباحث حول الدور الروسي في العديد من الملفات، وضرورة ترتيب العلاقات معه كقطب كبير ومؤثر في السياسات الدولية، للوصول إلى حلول مرضية تجنب المنطقة المزيد من الأزمات. ان هذا يقدم أكثر من معنى في وقت واحد، يعني أن روسيا تريد أن تفتح نافذة أوسع مع القيادات السعودية بعدما استوعبت أن الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد ردات فعل بقدر ماهي ترجمة لمواقف وسياسات ثابتة لا تعرف المكاييل المزدوجة أو المعايير الطارئة، ثم إن هؤلاء الشباب الذين دفع بهم خادم الحرمين الشريفين إلى سدة المسؤولية بديناميتهم، لا يمثلون حالة تفاعلية مختلفة لما كانت عليه طبيعة السياسة السعودية الهادئة، لأنهم في الأصل جاؤوا من مدرسة سلمان، ويعملون بذات الوقت تحت قيادته. إن كل ما يحدث إنما هو الفارق في الآلية والدينامية لا غير، وفق ذات الثوابت السياسية التي انطلقت وتنطلق منها السياسة السعودية منذ عقود بعيدة، والتي جعلت من شخصية الأمير الشاب محمد بن سلمان محط أنظار العديد من السياسيين والمراقبين الذين بهرهم سموه رغم صغر سنه في قدراته على فهم واستيعاب منطلقات السياسة الدولية، والصيغة المثلى للتعامل معها برؤية واعية، لا تتاح غالبا إلا لمن يستطيع أن ينظر للبعيد، وأن يقرأ الوقائع بحس حساب المستقبل.