حسن السبع

هواة السِّجال الدائري

كل التواء في القول يحاول تزييف الواقع نشاز. والإصغاء إليه هَدْرٌ للوقت، لذلك فإن الإصغاء بنصف أذن مبرر، إذا كان نصف الحديث من سَقْط القول. والصمم محمود، وفقا لرأي أبي الطيب المتنبي، إذا كان القول فاسدا. «قد أُفْسِدَ القولُ حتى أُْحمِْد الصَّممُ». والمشاركة في جدال غير منتج عبث. لماذا تجادل حول شيء لا تستطيع إثباته؟ يتساءل أحدهم. نعم. ما جدوى ذلك؟جادَلْنا قرونا طويلة في مسائل لا علاقة لها بالواقع المعِيْش، بل بالماضي البعيد. «كلٌّ يغنِّي على ليلاه متَّخِذاً/ ليلى من الناسِ أو ليلى من الخشبِ» ويبدو أننا كنا نغني على «ليلى من الخشبِ»! كان جدالا عقيما لم يرصف شارعا، ولم يبنِ مدرسةً أو ينشئ مَشْفَى. ولم نعثر على إجابة شافية عن أيهما جاء أولا الدجاجة أم البيضة؟ وبالتأكيد فإن الحديث عن تأثير ارتفاع أسعار الدجاج والبيض على ميزانيات ذوي الدخل المحدود أجدى من ذلك الجدال.لا يعني هذا سد الباب أمام أي نقاش فكري أو فلسفي أو تجاهل قلق الوجود، فارتفاع مستوى الوعي أحد نتائج ذلك القلق الوجودي. لكن المقصود هنا الجدال غير المنتج، وادعاء امتلاك الحقيقة. أو إقناع الناس عنوة بأن الدجاجة قد سبقت البيضة أو العكس. لنتحاور بروح الباحث عن الحقيقة، وليس بروح سادن الحقيقة وحامل أختامها. يقول إدوارد مورفي في أحد قوانينه: «لا تجادل الأحمق فقد يخطئ الناس في التمييز بينكما». وقد بعث لي أحد الإخوة قبل أيام حكاية طريفة تلامس هذا المعنى.. إذ يحكى أن الذئب قد اختلف مع الحمار ذات يوم على لون العشب. قال الحمار: لون العشب أصفر. وقال الذئب: لون العشب أخضر. تجادلا طويلا، ولم يصلا إلى نتيجة. وأخيرا قررا أن يحتكما إلى الأسد بصفته المرجع الأعلى في الغابة. ذهبا إليه وأدلى كل منهما بحجته. وعند النطق بالحكم تلهف الكل لسماع صوت العدالة. لكن الأسد فاجأ الجميع بحكمه. فقد حكم على الذئب بالسجن لمدة شهر وببراءة الحمار. احتج الذئب قائلا: سيدي أليس لون العشب أخضر؟ قال الأسد: بلى. قال الذئب: إذن لماذا حكمتَ علي بالسجن وأنا لم أخطئ الرأي؟ قال الأسد: صحيح إنك لم تخطئ الرأي، لكنك أخطأت عندما جادلت الحمار على مسألة كهذه. لذلك أمرت بسجنك لكي تعتبر ولا تجادل من لا يستوعب ولا يفهم وليس بأهل لذلك.هل كان الحمار مصابا بعمى الألوان أم مكابرا؟ أطرح هذا السؤال لأن هنالك من هو أعمى، وهنالك من يتعامى. فالعشب أصفر لأننا نريده أن يكون أصفر. «ولون الدم يُزَوَّر حتى في التأبين رماديا» كما يقول الشاعر مظفر النواب. أجل هنالك عمى ألوان ثقافي وفكري وسياسي، والجدال في مثل هذه الحال «مقرف». ووحده الغباء لا يجادل. نعم. «لا تستطيع أمام الغباء أن تصنع شيئا». كما يقول هنري ميلر. ولعل هذا هو ما دعاه إلى القول: «لم أعد أبذل جهدي لأقنع الناس بوجهة نظري عن الأشياء أو لمعالجتها». (هنري ميلر: ماذا يحدث حين تبلغ الثمانين/ ترجمة سهام العريشي/ الحياة 17 مارس 2015م).لكن، هنالك من يستفزه القول النشاز والسلوك النشاز، فيجادل ويتشنج، ويرتفع ضغطه، كما كان حال الذئب في هذه الحكاية. وعلى هؤلاء الأذكياء أن يمارسوا رياضة ضبط النفس، وأن يسخروا بصائرهم النافذة، وعقولهم الراجحة في ما ينفع البشر قاطبة.* متخصص في الإدارة المقارنة