حسن السبع

اللائحة.. وما أدراك!

يصعب كسب قضية أمام صرامة اللوائح الإدارية، إلا إذا كان القائم على تطبيقها أكبر من الموقع الذي يشغله. عندئذ قد يجد الاجتهاد نافذة يتسلل منها. فهل لاسم اللائحة علاقة بالتخشب والصلابة؟يمكننا أن نتخذ بنود لائحة الأندية الأدبية مثلا، وخصوصا تلك المتعلقة بالشؤون المالية، لولا أنه لا يجوز لمن أدركته حرفة الأدب أن يناقش شأناً ماليا، فبينه وبين المال قطيعة تاريخية، وعليه أن يقبل بما جاء في تلك اللوائح فيعمل بمكافأة رمزية متواضعة. عليه أن يكون ترابياً وفي زهد ديوجين. مع ذلك، يمكننا تذكير معدي ميزانيات الثقافة في العالم العربي، بأن الثقافة ليست ترَفاً، بل هي عنصر رئيس في معادلة التنمية. ومن دونها «يغدو المجتمع غابة حتى وإن بَدَت صورته كاملة.» كما يعبر كامو. ويمكن أن نورد في هذا السياق اقتراح إدوارد مورفي صاحب القوانين المشهورة: «إذا كنتم تعتقدون أن ثمن التعليم أو الثقافة باهظ، جربوا الجهل»! لكن، إذا تجاوزنا المسائل المالية فإن الجميع يشكو من المركزية التي تفرضها تلك اللوائح الإدارية التي تمنح صلاحيات أوسع للمركز، وتشلّ حركة الأطراف. قبل أيام نشرت الاقتصادية في عددها 7906 وتاريخ 4 يونيو 2015 تقريرا يلامس مشكلة المركزية. وفي ذلك التقرير يتساءل مدير فرع جمعية الثقافة والفنون بالرياض قائلا: لماذا لا تكون إقامة الفعاليات من صلاحياتنا؟ ويضيف، والعهدة أيضا على التقرير، أن الموافقة على إقامة أمسية شعرية قد تستغرق قرابة 90 يوما من الانتظار! غير أني معنيٌّ هنا بالحديث عن الأندية الأدبية وحدها. فمن أهداف تلك الأندية، خلق تفاعل ثقافي منتج، وهو هدف يصعب تحقيقه ما لم تُمنح مجالس الإدارة صلاحيات أوسع، وما لم تطور الأندية طرق تواصلها مع المثقفين، فيشعر الأديب والمثقف بأنه عضو مؤثر في خطط وقرارات تلك المؤسسات الثقافية. ذلك أن علاقة المثقف ببعض الأندية في الوقت الراهن لا تتعدى تلقي رسالة هاتفية تحدد موضوع الفعالية الثقافية، واسم الضيف، ومكان وزمان إقامة الفعالية. وفي معرض حديث مع صديق مسؤول في إدارة أحد الأندية الأدبية أخبرني أن شراء المؤلفات صار من مسؤوليات الوزارة، وعلى المؤلف أن يتعامل مع الوزارة مباشرة. هذا شكل من أشكال المركزية لم يكن موجودا من قبل. فلماذا يلجأ المؤلف إلى الوزارة لكي تشتري مؤلفاته والنادي الأدبي على مرمى حجر منه؟ إذا كانت هنالك خشية من الازدواجية أو تكرار الشراء فإنه لا مبرر لتلك الخشية في ظل هذه الطفرة التكنولوجية، وقواعد المعلومات والبيانات الالكترونية. كثرت في السنوات الأخيرة الملتقيات أو المنتديات الثقافية الأهلية، وإضافة إلى نشاطاتها الثقافية النوعية، فإن بعضها يقيم حفل توقيع كتاب، يتم خلاله تسويق مؤلفات المستضاف لإحياء فعالية ما. كما تقوم بعض المنتديات بشراء نتاج المؤلف مباشرة. وفي ظل المنافسة بين هذه المنتديات والأندية الأدبية، نتوقع أن تبادر الأندية إلى ابتكار آليات عمل جديدة، لتحقيق نشاطات ثقافية نوعية جاذبة. إن لائحة الأندية الأدبية التي اعتمدت عام 2011 لم تحقق تطلعات الأدباء والمثقفين، ومنها المساهمة في خلق علاقة تفاعلية منتجة، كما أن كثيرا من التعديلات التي اقترحها رؤساء الأندية قبل ذلك التاريخ لم تَرَ النور. غير أننا ما زلنا في انتظار النظام الجديد للأندية الأدبية. فهل سيصدر ذلك النظام قريبا، أم سيضاف إلى قائمة الأشياء التي تأتي ولا تأتي؟