د. فالح العجمي

مستويات متعددة من اللامبالاة

تضرب كثير من الأمثال العربية في قضية تساوي الأمور، وأن لا فرق بين هذه الحالة وتلك، مما يجعل الثقافة العربية تطبع أبناءها على مستويات متعددة من اللامبالاة، وعدم التفريق في الحكم، أو في الاختيار. وفي هذا السياق لا بأس من ذكر قصة حقيقية حصلت في أحد البلدان الأوروبية، عندما أردنا (مجموعة من المنتمين إلى ثقافات متعددة) اختيار مطعم للعشاء، وكان أحد المرافقين من المتشبعين بهذه الروح العربية. فخرجت الكلمات في لغة الحديث الأجنبية بعيدة عن المنطق، وهو ما تقبله الذائقة العربية؛ لكن المنتمين إلى الثقافة الأوروبية لا ترضيهم هذه الردود غير الواضحة في نظرهم. في النهاية أجبت عن الرجل بنوع من التمحل، لنخرج من تلك الضبابية، التي أدخلنا فيها صاحبنا، وشرحت له لاحقاً أسباب تدخلي الذي رأيته ضرورياً لإبعاد الإحراج عن الطرفين. تذكرت هذا الموقف، وأنا أشاهد تقريراً عن سمك البلطي (الأفريقي)، الذي يتميز بذكاء اجتماعي فريد؛ حيث تقوم مجموعة من ذكور تلك الأسماك غير الإقليمية بتلوين نفسها بألوان الأسماك الإقليمية، لتستطيع تناول الطعام الموجود في مناطق محددة، لا تسمح ذكور الأسماك الإقليمية لغيرها بالوصول إليه. وعندما تناقشت مع صاحبي، قال: أصلاً الأسماك كلها لطيفة، وقليلة العدوانية لأنها دائماً في الماء، ولأن طعام البحار وفير، لا تحتاج الكائنات البحرية للحصول عليه إلى صراع، كما هي الحال لدى الكائنات البرية. قلت له: نعم، قد يكون التنوع الغذائي في البحار كبيراً، لكن كائناته أيضاً هائلة الأعداد، بصورة لا تكشفها البحوث العلمية إلا بدرجات محدودة. غير أن الشراسة موجودة أيضاً في بعضها، وخاصة تلك الأسماك المفترسة منها مثل: أسماك القرش، أو ذات الخطورة على غيرها من الكائنات البحرية أو البرية، مثل أسماك «الجيلي»، وبعض أنواعها التي يكتشفها الإنسان صدفة، لكنها موجودة بكل تأكيد منذ ملايين السنين. ووجدتها فرصة أن أعود به إلى تلك الظاهرة في الثقافة العربية، التي يختلط فيها عندهم الوصف الجزئي بعد تعميمه على كامل النمط مع الخلاصة الكلية؛ فيبتعدون عن الموضوعية في أوصافهم واستنتاجاتهم. وقد وصلوا إلى درجة يكيلون فيها المديح لمن يحبون بدرجات فيها إفراط ونفاق وسماجة أحياناً، بينما يتناسون كل صفة إيجابية عند من يكرهونه، أو يجدون منه -ولو مرة واحدة- ما لا يحبون. فقلت له: ما رأيك في قضية المساواة بين الأجناس، دون فضل مسبق لأحد بعناصر من أصله أو لونه أو عشيرته؟ قال: «طبعاً لا أؤيد أي تفرقة بين الناس، فكلهم لآدم، وآدم من تراب». فرددت عليه: هل هذا رأيك، أم تحفظ هذه الأقوال؟ قال: طبعاً هذا رأيي، وكلام رب العالمين، والحقيقة، وش قصدك؟ قلت: لا، قصدي ولا شيء. لكن ما رأيك بزواج الخضيري من عائلة قبيلية (بصورة واضحة ومحددة)؟ قال: أنا ما أؤيد مثل هذه الزواجات المختلطة. قلت له: طيب لماذا؟ أليسوا جميعاً، كما ذكرت أنت أعلاه من الكلام الذي هو رأيك وكلام رب العالمين والحقيقة، من نسل آدم، وبالتأكيد لا يوجد أنساب كائنات غير بشرية في أصول أولئك الناس، حتى وإن اعترى الجهل بعض مصادرها. فقال: مدري مدري وش تقصد؟ قلت: اتركنا من هذا. لو تزوج أحد أقاربك من أمريكا أو أوروبا واحدة شقراء ما تعرفون إلا اسمها واسم عائلتها، وربما المدينة التي تسكنها عائلتها، هل ترضى بهذا الزواج؟ قال: طبعاً هو حر، لا أحد من حريته. قلت: مع اللي من بلدك وتعرفه ليس حراً، وهنا حر؟