حسن العالي

مكافحة الفساد خليجيا.. قانون موحد ومزيد من الشفافية

تتدارس الأجهزة المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وضع قانون موحد لمكافحة الفساد لدول الخليج العربية، وسوف يرفع للقيادات في أجهزة مكافحة الفساد الخليجي لاعتماده ومن ثم تطبيقه على المستوى الخليجي بعد الموافقة عليه من قادة دول المجلس. ومن شأن القانون ضمان استرداد الأموال المحصلة من جرائم الفساد، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة لأجهزة مكافحة الفساد الخليجي بين دول المجلس. وحسب تقرير منظمة الشفافية العالمية حول مؤشر مدركات الفساد لعام 2014، فقد احتلت دولة الإمارات المرتبة الأولى عربيا والمركز 25 عالميا، وجاءت قطر الثانية عربيا والمركز 26 عالميا، والثالث عربيا لكل من البحرين والأردن والمملكة العربية السعودية، واشتركوا جميعا في المركز 55 عالميا، ثم سلطنة عمان والكويت في المركزين الرابع والخامس عربيا والمركزين 64 و67 عالميا. وتبرز اهمية التوجهات الخليجية لوضع قانون موحد لمكافحة الفساد واسترداد الأموال بضوء التحولات السياسية والاقتصادية الراهنة التي تعيشها مختلف بلدان المنطقة، إلى جانب الحاجة المتزايدة لخلق وظائف أكثر وأفضل في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتراجع الايرادات النفطية.ولكن، إلى جانب الطلب على الفرص الاقتصادية الأفضل، فإن المواطنين في دول المجلس يطالبون بمزيد من الشفافية والقيام بدور فاعل في عملية صنع القرار في حد ذاتها. وتحتل شفافية الميزانية المالية العامة للحكومات حجر الزاوية في مكافحة الفساد ليس في دول المجلس فحسب بل وعلى مستوى العالم ككل. وتقول دراسة للبنك الدولي: إن شفافية الميزانية يمكن أن تعزز بيئة الاستثمار الخالية من الفساد وكفاءة البرامج الحكومية على حد سواء. وعلاوة على ذلك، فإنها يمكن أن تساعد أيضا الحكومات على تحقيق الاستفادة المثلى من الموارد المحدودة والعامة من أجل تحقيق أقصى قدر من نتائج التنمية وتحقيق فوائد ملموسة لمواطنيها.وفي هذا السياق، فإن دور المؤسسات العليا لمراجعة الحسابات، التي تقوم بالتدقيق الخارجي على الإنفاق الحكومي، إلى جانب هيئات الرقابة المالية، ضروري لإظهار أي مخالفات مالية. وهذه المؤسسات جزء لا يتجزأ من إدارة وتحديد أولويات استخدام الأموال العامة وفقاً لممارسات نظام الإدارة العامة السليم.كما إن إدارة الميزانية أمر حيوي. ومع ذلك، وعلى نفس القدر من الأهمية تأتي الحاجة إلى الكشف العلني عن البيانات المالية الحكومية، والتي غالباً ما يتم نشرها من خلال بوابات الحكومة الإلكترونية. وفي جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، فقد كان الكشف عن تخصيص الأموال العامة يعتبر من المحرمات لسنوات طويلة. ومع زيادة طلب الجمهور للشفافية والمساءلة الحكومية فإن ذلك في حاجة إلى أن يتغير. ويجب الآن أن يتم النظر إلى المواطنين باعتبارهم لاعبين فاعلين يمثلون جزءا لا يتجزأ من الإشراف على السياسات العامة، والرقابة عليها، وتقييمها.وبالتالي، فإن الخطوة الأولى في بناء مزيد من الشفافية والمساءلة هي مساعدة الحكومات على نشر ميزانيات مبسطة وسهلة القراءة للشخص العادي، بشكل ربع سنوي، لإطلاع الجمهور على مخصصات الميزانية. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لفت المغرب الانتباه بسبب الجهود التي قام بها لإعطاء المواطنين فرصة للوصول إلى والاطلاع على البيانات المتعلقة بالميزانية. وبفضل «الميزانيات المعدة للمواطن» بطريقة سهلة القراءة والفهم والتي دأب على نشرها كل عام منذ عام 2011، تمكن المغرب من مضاعفة ترتيبه عالميا في آخر مسح للموازنة المفتوحة.ويرى البنك الدولي أن المواطنين، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام يمكنها القيام بدور كبير في جهود مكافحة الفساد، وغالباً ما يقومون به هو لضمان الشفافية والمساءلة فيما يتعلق بقرارات وبرامج الإدارة المالية العامة. وعلى الصعيد الوطني والإقليمي، فإن هذه الكيانات يمكنها الرقابة على السياسات العامة والإشارة إلى أوجه القصور الحكومية من خلال عملها في مجال الدعوة والتوعية، والرقابة، والتقييم.ومع ذلك، فإنه من أجل أن تقوم منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بدورها كاملاًـ، فإن الأمر يحتاج إلى المعرفة والإلمام الكافي بالمفاهيم التقنية للإدارة المالية العامة. فالتقارير المالية المعقدة وحتى المعقدة غير المباشرة التي تحتوي على بيانات غير واضحة وغير مبررة تقف حجر عثرة في طريق تحقيق الشفافية والمساءلة بالميزانية.ولذلك، فإن تنظيم جلسات استماع عامة ودعم تدريب أصحاب المصلحة في المجتمع المدني في مجال إدارة المالية العامة والرقابة عليها يمكن أن يوفر بداية جيدة؛ وهي بداية يمكن أن تكون مواتية لتحسين العلاقة وبناء الثقة بين الحكومة والمجتمع المدني.ويبين البنك الدولي أن كافة الناس في المنطقة يتطلعون إلى حكومات أكثر استجابة وأكثر خضوعاً للمساءلة وتبذل جهودا واضحة لمكافحة الفساد من خلال تشريعات واضحة ومتينة. كما ينطوي بناء وضمان قدر أكبر من الشفافية والمساءلة في الميزانية على اثنين من العناصر الهامة. ويشمل هذان العنصران إرادة سياسية قوية من جانب الحكومات لإشراك الجمهور، وقدراً كبيراً من التعليم والوعي من قبل منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. وينبغي النظر إلى ذلك باعتباره شراكة مربحة للجانبين، حيث ستشرك الحكومات الجمهور في عملية صنع القرار من خلال نشر بيانات الميزانية وتقارير الإنفاق العام بطريقة شفافة، وفي نفس الوقت ستستفيد من التوصيات والتعليقات التي يمكن أن تقدمها الهيئات غير الحكومية.لذلك، فإن صدور قانون خليجي موحد لمكافحة الفساد يأتي استجابة للجهود الدولية في تعزيز الشفافية والمساءلة في المال العام، كما أنه لن يسهم في مكافحة الفساد فحسب، بل وسوف يسهم في تعزيز لوائح نشر وشفافية الميزانيات العامة الحكومية في دول المجلس وذلك لاتاحة المجال أمام المساءلة ورصد المخالفات من قبل هيئات الرقابة التشريعية والمالية والاعلام والجمهور والمجتمع المدني أيضا. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/7f10aae8f3bb979f255e6b27f607e751_6.jpg)نشر ميزانيات مبسطة وسهلة القراءة للشخص العادي يعزز الشفافية