شباب الشرقية يبعثون على التفاؤل
كانت قد أتيحت لي الفرصة للقاء بعض المثقفين، وخاصة الشباب ممن يسعون إلى متابعة الأمور الثقافية، وسعدت جداً في ذلك اللقاء، الذي كنت فيه محاضراً في ديوانية الملتقى الثقافي التي يستضيفها الأستاذ نجيب الخنيزي في منزله. وبالطبع أجواء المحاضرة وما بعدها لا تخلو كالمعتاد من بعض النقاشات العقيمة مع أناس أتوا وهم ينوون قول أشياء مسبقة، بغض النظر عما سمعوه، أو رغبة منهم في إظهار الذات في هذه اللقاءات، وهو أمر معروف في أغلب الأماكن عندنا. لكني سررت بوجود بعض الشباب الذين يقرأون، ويحرصون على متابعة ما ينشر من الأعمال الجادة، وهذا قليل في وقتنا الحاضر.فقد تلقفوا الكتب الموجودة، وكانوا يتحدثون بجد عن كتب قرأوها، وهذا يبعث الأمل عند شخص مثلي، يجد الناس من حوله يرددون: من الذي يقرأ الكتب الآن؟ أو: «كل شيء موجود في الانترنت»، وهم حتى لا يقرأون منها إلا الأشياء التافهة، أو ما يحتاجون إليه من معلومات، وليس زاداً علمياً متخصصاً في أي شأن. بل كان أولئك الشباب حريصين على أن ألتقي بهم بعد المحاضرة، رغم كونها متأخرة، لم تنته إلا الساعة الحادية عشرة. وعندما اعتذرت إليهم بأن الوقت متأخر، أتوا اليوم التالي إلي بالفندق، وقضينا ساعات نتناقش، حتى جاء وقت رحلتي بالعودة إلى الرياض.ما الذي يسعدني في رؤية مثل هذه الحالات؟ في الواقع أن تفاؤلي مبعثه اقتناعي، بأن المجتمع الذي يوجد فيه شباب يقرأون بجدية في هذا العصر، هو مجتمع قابل للتقدم، وقيادة دفة مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. إذ لا يكفي أن يوجد أناس يقومون بأعمالهم الروتينية، دون أن يتواجد قياديون بجانبهم يوجهون أذهانهم بفكر مستنير لا تصنعه إلا القراءة المتمعنة والمتنوعة، والتي يستوعب صاحبها ما يقرأ، ويدخله إلى رصيده الذهني ضمن العقل الفاعل في الحياة. وما لم توجد رغبة حقيقية في الالتفات إلى مصادر المعرفة، وتنمية العقول لدى الشباب، فإن مستقبل أي مجتمع يكون معرضاً للخطر. فكثير من ويلات الحروب وانسياق أعداد كبيرة من المجتمعات المكتوية بنارها، لم يكن إلا نتيجة استشراء الجهل بين عناصر ذلك المجتمع، وبقاء مكوناته ضمن سياقات التبعية لتجار الأزمات.كما أن تفاؤلي مردّه إلى درجات الإحباط المرتفعة، التي نشعر بها إزاء نظم التعليم لدينا؛ سواء في التعليم العام أو أغلب مؤسسات التعليم العالي؛ حيث يكون النمط السائد هو اعتماد مبدأ التلقين لعبارات ومعلومات محدودة يسمعها أو يقرأها المتعلمون، ثم يعيدونها، أو يعيدون جزءاً منها، ليمنحوا الشهادة، ويوصفوا حينئذٍ بأنهم قد تلقوا تعليمهم وأصبحوا مهيئين لمواجهة الحياة. أما القراءة الحرة التي يجول فيها المتعلم بين عدد من الكتب المختلفة والآراء المتعددة، ليصنع بعد ذلك رأيه الخاص، ثم يحوره بناء على ما يضيف إليه من معارف يعالجها بذهنه، لتصبح من مكونات عقله، فهي غير موجودة في النسق العام لهذا التعليم. ربما يوجدها بعض المعلمين، أو ترسخها بعض الأسر لدى أفرادها، لكنها ليست صنيعة مؤسسية في التعليم بكل مراحله.أما هؤلاء الشباب، فقد وجدت عندهم ما يثلج الصدر، يفكرون بآليات واضحة ومناسبة لما يتحدثون عنه، ولم يتذمروا من طول وقت النقاش، أو يملوا من الجلوس المتواصل في محاضرة ونقاش ممتد؛ وكانت اللغة التي يستخدمونها تفوق لغة الاستعراضيين من مدعي الثقافة، الذين يرددون كلاماً مكروراً، وحججاً لا تتناسب مع ما يطرح من موضوعات. فلله درهم .. وشكراً لهم، حيث إعادة الأمل تبدأ من نضج العقول.