أسوأ جار!
يتحدث الوعاظ والخُطباء وعامة الناس عن حق الجار، وأنَّ حَقّه عظيم حتى ظن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الجوار سيكون سببا للإرث من كثرة الوصايا به وتتابعها. وهذا الحديث حق محض، وبحر من الأدلة واللطائف ﻻ ساحل له، والحاجة إليه قائمة دوما ومهمة.لكن مهلا!قبل أن تحسن إلى جارك تذكر ما هو أهم وأولى وأقدم: كُفَّ الأذى عن جارك!يحِبُّ كثير من الجيران مبادرة جاره بما يدخل عليه السرور (هدية أو دعوة أو زيارة...الخ) وينسى الآكد وهو كف أي صورة من صور الأذى عن جاره قبل التفكير في الإحسان. سواء كان من جاره ذا حقٍّ واحدٍ (وهو الجار غير المسلم) أم كان ذا حَقين (الجار المسلم) أم من جيران الحقوق الثلاثة (الجار المسلم من القرابة)؛ فإننا نعلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح في مثل هذا الحال والوصف، والتخلية تسبق التحلية.وإن أعظم جارحة يؤذي بها بعض الجيران جيرانه هي العين. العين التي يصحبها قلب خالٍ من الهمة والمكرمات؛ فتجدها عينا لصوصية تتبع أحوال الجيران:فلان عاد متأخرا..وفلان غادر مغضبا..وضيوف فلان خرجوا سراعا..أين هم؟ هل خرجوا؟ ومتى يعودون؟...الخعيون تعلقت برديء الفضول، وقلوب خَفَتَ فيها داعي الحياء والمروءة ومكارم الأخلاق!إن الجار الذي يراقب أحوال جاره ويتتبع شؤونه، وقد يضيف إليها نشر الخبر مهما كان تافها كهمته، ويثير السؤالات: ألم تعلم...؟ ما تفسيرك لكذا؟...الخ يمثل أسوأ نوع من الجيران، لأنه يسعى خلال الجيران بنشر ما لا يعنيه، وعلى سوء مسلكه وانحطاط هِمّتِه فقد ﻻ يجد منهم عاقلا حازما يقول له: إن سلوكك هذا ﻻ يسلكه إلا من ضعف عقله، واضمحلت التقوى في نفسه، وعري من التربية الحسنة، وأخطأه التهذيب في مقتبل العمر.إنه لو كان شاكيا من مرض، أو ضعيفا من طول الجوع ما وجد وقتا لتتبع غيره. فالمِثْلِ لو أنّه صاحب همة عالية، ونفس سامية، وأدب وافر لَمَا وجد في نفسه فراغا يُنْبِتُ فضولا دنيئا كهذا.ختاما.. فإنّ أسوأ صور هذا الفضول القبيح وفراغ النفوس الوضيعة أنه ربما لُبِّسَ لِبَاس الحرص على الجار، أو معرفة أحوال الحي، أو الحكم على استقامته، أو الاحتساب عليه...الخ، وتلك لَعَمْر الحق نفثات شيطان مريد، أو تسويل أنسي بليد.وما بني على باطل فهو باطل، فلا يمكن أن تنبت اللصوصية في النظر خيرا.فالوصية لكل مسلم أن يكف أذاه عن جاره، وأوله وأعظمه العين والتجسس والتحسس، وما يتبع ذلك من تفكر، واستنتاج، ونَشر.عِشْ ودع الناس يعيشوا، وابذل خيرا، وكف شرا، واعلم أنك لن تحسن إلى جارك بشيء أعظم من كف بصرك وقلبك عن شؤونه، وحفظ حضرته وغيبته.