د. محمد الغامدي

سَنَحْتَسب ولكن!

بادر أساتذة إحدى كليات الطب - بتعاون من عدد من الممارسين الصحيين، وبعض طلبة الكليات الصحية - إلى صنع ثقافة وعي صحي نوعية، فأصبحوا يتتبعون أي ممارسة أو سلوك اجتماعي مؤسسي أو فردي ليؤصِّلوا الجانب الصحي فيه وقائياً وعلاجياً، ويتواصلوا مع كل المستويات وفي عدة اتجاهات لتعزيز جهودهم التوعوية، وتحويلها إلى ثقافة راسخة، والتزام يحقق درجة أعلى من الأمن الصحي، وبخاصة الشق الوقائي.ورغم أن الطلبة من بينهم (وبعض الممارسين والأساتذة في حوادث نادرة) لم يجمعوا بين حُسن القصد وصواب الصنيع، إلا أن الوعي العام تلقى هذا الحرص وهذا التفاني وذاك التنوع والاهتمام بتقدير كبير. لقد كان الأمر سهل الفهم: مختصون ومهتمون ينشرون وعياً، ويحذرون من أي ممارسة أو سلوك قد يضر بفرد أو جماعة أو المجتمع، معتمدين على «العلم» الذي اكتسبوه، وأقرته المؤسسات العلمية الرسمية والتي هي محل ثقة وتقدير من المختصين ومن العامة. ولك أن تتصور أن أولئك المهتمين قد رشحوا لجوائز، ودان لهم المجتمع بالعرفان ...الخ. حسنا والآن..اجعل مكان كلية الطب كلية الشريعة، واجعل المختصين هم طلبة علم ومهتمين ينطلقون من فتاوى المؤسسات الرسمية الشرعية، والأنظمة الرسمية المرعية.فلماذا نقبل فعل من يحرص على الصحة دون من يحرص على سلامة الدين والدنيا؟لماذا نحتفي بما نشارك فيه الشرق والغرب، وتضيق نفوس بما يحثنا عليه ديننا ويوجب علينا صورا منه؟ وهو دوما يمثل ديننا وهويتنا وأمننا الاجتماعي وهو مُستجلب للخيرات والبركات والنجاة في الدنيا والآخرة؟!لقد قابلت أكاديمياً أفنى عمراً في العمل الأكاديمي، وهو يتحدث عن مقررات دراسية شرعية وأساتذتها - وما يفترض أن يؤديه أساتذة مختصون بعضهم يفوقه درجة وخبرة وتميزاً دراسياً في كل المراحل- كما يتحدث عن برنامج رحلة برية، فيقول:» حفظوهم قصار السور وحثوهم على الإحسان للجار»، ومن هذا القبيل! دون أن يتذكر أن للدراسة الجامعية خططاً وتوصيفات وأهدافاً...الخ!إن هذه المجازفة المخجلة تغذّت بموقف سلبي لا يليق بنا بوصفنا مسلمين حقا، ولا يليق ببلد روحه وهويته وذاته شريعة الإسلام. لكني عذرته، وكنت ولا أزال أحترمه، ولم أثرب عليه حينها لأن ذلك مبلغه من العلم، وهو (بمحدودية نظر) ضحية لوعي عام غير سوي في هذا الباب. إنني ﻻ أنكر (كما أشرت في المثال السابق) أن عدداً من الممارسين ينبعث بجهل، أو بسطحية فقهية، أو بأسلوب غير مرض ولا نافع ولا لائق. لكن هذا الهامش المحتاج لمعالجة وبحزم أحيانا ﻻ يعكر على أصل الشعيرة، ولا على ما نعلمه من «أصول» الشريعة وإجماعات أهل العلم في مؤسساتنا التي هي محل الثقة والقدرة.ولا أنكر – ثانية - أن الخلل في الأصل يتحمله المختصون في العلوم الشرعية إذا لم تجتمع كلمتهم على بصيرة وفقه متوازن ينظر في الصورة الظاهرة، والمقاصد، والمآﻻت في ضوء الأدلة الشرعية، ثم يعمدون إلى تجلية الفقه السليم المُحرر للعامة، وبخاصة الناشئة ليكونوا على بصيرة.من جميل ما أفاد به أحد الدعاة أن ضرب هذا المثل:إذا وجدت لوحة أو شخصاً ينبهك على خطورة محتملة في الطريق أمامك، وينصحك بالتراجع وتغيير الطريق، فالطبيعي أن تكون ممتنّاً له شاكراً حتى لو لم تقتنع بكلامه، وبَعيدٌ أن تحمل توجيهه محملاً استفزازياً أو عدائياً. فلماذا ﻻ نتعامل بنفس الروح السامية مع من ينصح لنا في ديننا بعلم ووعي؟!!