كلمة اليوم

دول الخليج.. ووحدة الرؤية لليمن

استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي أن تنأى بشعوبها عن كل أشكال الاضطرابات والفتن، والحرائق التي عصفت بالكثير من دول المنطقة، وذلك بفضل الله أولا، ثم بفضل حكمة قياداتها، ومواقفها المعتدلة، والتفات هذه الدول إلى مسائل التنمية كأساس وقاعدة لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء، وحينما جاءت أزمة اليمن بفعل بعض التدخلات الأجنبية، وأصبح الخطر على حدود دول هذه المنظومة، كان من الطبيعي أن تزداد اللحمة الخليجية، وأن يتوحد موقفها السياسي والعسكري في مواجهة هذا التحدي الكبير، الذي يسعى لجر المنطقة إلى الحضيض، ولعل اللقاء التشاوري- الذي انعقد أمس في العاصمة الرياض بين قادة دول الخليج، بحضور الرئيس الفرنسي، وما دار في هذا اللقاء، سواء ما يتصل بالأزمة اليمنية أو الموقف من الاتفاق النووي الإيراني، والاتفاق الخليجي التام حول هذه الملفات- يعكس وبمنتهى الوضوح حجم التنسيق التكاملي بين دول المجلس، وسعيها الدؤوب لحماية أمنها، وأمن شعوبها من أي مخاطر محتملة، كما جاءت مشاركة الرئيس الفرنسي في أعمال هذه القمة، لتؤكد على متانة العلاقات الإستراتيجية بين دول المجلس وفرنسا، في كل ما من شأنه خدمة أمن المنطقة، والسلم العالمي، وإبعاد هذه المنطقة الحيوية للاقتصاد العالمي عن أي مشاكل قد تدخل العالم في أزمات معقدة، بحكم أنها تضم أهم اقتصاديات الطاقة على مستوى العالم. لقد ضربت دول الخليج المثل في وحدة الصف والكلمة، وقدمت النموذج المشرق الوحيد للوحدة المتكاملة، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وحتى العسكري، بما يكفل لشعوب هذا الاقليم العيش بسلام، بعيدا عما يراد له من قبل أطماع بعض القوى، التي لا تزال سادرة في غيها، غير أن دول الخليج، خاصة ما بعد عاصفة الحزم، كانت قد قدمت نفسها ليس فقط كدول مؤثرة في مسائل الطاقة، وإنما أيضا كقوة عسكرية متضامنة يجب أن يحسب لها ألف حساب، خاصة وأنها- ومن خلال تدخلها ضمن التحالف لانقاذ اليمن- لم تخض هذه المعركة كقوة عدوان، وإنما كقوة عدالة سعت ولا تزال تسعى للم شمل الإخوة اليمنيين حول طاولة الحوار؛ لمنع تغول البعض على السلطة على حساب البعض الآخر، ثم لحماية هذا القطر العزيز من التدخلات الأجنبية التي لا تريد له خيرا، وهذا ما أكسبها احترام العالم أجمع، ودفع مجلس الأمن- وعلى غير العادة- لاستعجال إصدار القرار الأممي رقم 2216، مثلما أكسبها التزام قوى كبيرة كفرنسا للتعهد بالمشاركة مع دول المجلس لحفظ أمن هذه المنطقة، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي بلغة واضحة في كلمته في القمة، والذي أكد وقوف فرنسا إلى جانب المملكة ودول المجلس في قرارها فيما يخص اليمن، والالتزام التام وبمختلف الوسائل لترجمة هذا التعهد في أي مناسبة تستدعي ذلك. لقد أجبر التماسك الخليجي كل دول العالم وقواه الرئيسة على احترام موقفها، والعمل على تعزيزه، إيمانا من الجميع بأن هذه المنظومة التي قامت على احترام الحق والعدالة، لم تكن يوما قوة عدوان، ولم تلجأ طوال تاريخها للحلول العسكرية، إلا حينما أصبح العمل العسكري شرا لا بد منه، ليس ذلك فحسب، وإنما أعقبته- فور إنجاز مهمته- بعملية «إعادة الأمل»، التي تمثلت في ضخ المملكة لأكثر من مليار ريال لصالح المعونات الإغاثية والإنسانية في اليمن، وهذا ما يؤكد أنها لم تأخذ موقفها من اليمن طلبا لمصلحة أو رغبة في نفوذ، وإنما فعلت ذلك حماية له من أن يتحول إلى بؤرة نزاع بين الأشقاء، وحماية لأمنها بحكم أنه يمثل عمقها الإستراتيجي، وهذا هو الفرق بين من يتدخل لتقويض اليمن على رؤوس أهله، ومن يتدخل لحمايته من أن يتحول إلى ساحة مستباحة لإراقة الدماء.