مجلة «فول مدمّس»
يقال إن للفول فوائد صحية مذهلة. ولا داعي لذكرها هنا، حتى لا تشغل حيزا كبيرا من المساحة المتاحة لهذا المقال. لكن الذين «يبجّلون» الفول ويستعرضون فوائده الغذائية، ومنافعه الصحية، لا يفوتهم أن يشيروا في ختام تعداد تلك «المناقب» إلى ملاحظة تقول: إن الافراط في تناول الفول قد يسبب البلادة.أما البلادة الجسدية فأمرها سهل، لأنها حالة مؤقتة يزول أثرها بزوال المؤثر، لكن الخوف كل الخوف من البلادة العقلية. وإذا ما تعلق الأمر بالعقل فإن البلادة تعني ثقل الفهم، وركود الذهن، وضعف الذكاء.الشيء بالشيء يذكر، وحين كنا صغارا كانت لدينا طموحات بلا سقف، وتطلعات بلا حدود. كنا نطمح في غزو العالم من حولنا ثقافيا برصيد متواضع من الثقافة. تمثل ذلك الطموح في إصدار صحيفة حائط نعلّقها (أنا وزميل الدراسة المتوسطة) في دكان خياط، فلا يقرأها أحد سوانا. وبصحيفة حائط أخرى نعلقها في النادي الرياضي، فلا يلتفت إليها أحد. وتمثل ذلك الطموح بتأليف وتمثيل مسرحيات تعكس أفكارنا المتواضعة. ثم تطور ذلك الطموح فأنشأ بعض الزملاء مكتبة لبيع الكتب والمجلات والصحف، وانضممت إلى الزملاء. كنا نقتطع، كل شهر، مبلغا ضئيلا من المكافأة المدرسية لتمويل ذلك المشروع التجاري/ الثقافي.ذات يوم، ونحن نستعرض قائمة المجلات وأسعارها، وجدنا من بين تلك المجلات مجلة باسم (فول مدمّس). دهشنا في البداية، وبحثنا عن تلك المجلة فلم نجدها، ثم اكتشفنا أن أحد الزملاء كان يسجل في القائمة دعاية عن الفول المدمّس على غلاف المجلة الأخير، ظنَّاً منه بأنه عنوان المجلة. عندئذ انتابتنا موجة من الضحك استمرت وقتا طويلا.أردنا آنذاك أن نطبّع العلاقة بين المال والثقافة، لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه أشرعة أحلامنا الصغيرة. فانسحبنا واحدا تلو الآخر، ولم يبق إلا زميلنا صاحب مجلة «فول مدمَّس» الذي حولها من مكتبة لبيع الكتب والمجلات إلى قرطاسية لبيع الأدوات المدرسية. كان حسه التجاري عاليا.لذلك الخطأ الذي ارتكبه زميلنا دلالته، فتسويق شيء آخر (كالفول المدمَّس مثلا) أكثر ربحية من تسويق الثقافة في محيط يعتبر الثقافة أمرا ثانويا. عندما كبرنا اكتشفنا أن قيمة شطيرة (ساندويتش) في أحد فنادق الدرجة الأولى تفوق قيمة ديوان شعر لأبي العلاء المعري، أو رواية لنجيب محفوظ، أو مسرحية لصاموئيل بيكيت.اليوم تذكرني تلك الحكاية بأبيات للشاعرة البولندية الحائزة على جائزة نوبل للآداب 1996م فيسوانا شيمبورسسكا تقول فيها «بعضهم يحب الشعر. ربما سيكون هؤلاء الأشخاص اثنين في الألف. لكن الحساء مع المعكرونة محبوب أيضا. ومحبوبة المجاملات واللون الأزرق. ومحبوب الوشاح القديم. ومحبوب البقاء عند ما هو ذاتي. ومحبوبة مداعبة الحيوانات الأليفة» ويمكنني أن أضيف إلى ذلك «ومحبوب الفول المدمّس»!اليوم أقرأ خطأ زميلي قراءة مختلفة، أنظر إليه من زاوية مختلفة، فأجده خطأ حافلا بالدلالات. كان رمية من غير رام. فإذا كان الإفراط في أكل الفول يسبب البلادة، فإن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الإفراط في قراءة بعض الكتب والمجلات التي تساهم في ركود الذهن. وتكريس الغفلة؛ الكتب التي تسوّق البلاهة. ولعل تلك المجلة جزء من ذلك الغثاء الذي لا قيمة له. مع ذلك فهي كتب ومجلات تقرأ على نطاق واسع، كما أنها أكثر رواجا وانتشارا، لكنها لا تخدم هدفا تنويريا أو تصنع وعيا اجتماعيا.* متخصص في الإدارة المقارنة