خليل الفزيع

كارثة حقيقية

الأحداث تتجدد والفكر يتجدد والزمن يتجدد، ومع ذلك هناك من يفرض على نفسه سياجا من القناعات والمشاعر السلبية التي لا تنسجم مع واقعه وواقع مجتمعه ووطنه وامته، وكأنه يعيش في عالم آخر، وفي عزلة عن ما يجري حوله من أحداث، ورغم تأثير هذه الأحداث عليه وعلى أسرته، بشكل أو بآخر، فإنه لا يعيرها انتباها، ولا يعطيها اهتماما يتناسب مع حجم هذا التأثير، وعندما تتحدث إليه عن الأحداث الجارية، يبدى لك موقفا سلبيا، ينم عن انحياز سافر لتلك القناعات والمشاعر السلبية التي تسد أمامه كل منافذ الرؤية الواضحة للواقع، بعد ان استوطنت عقله وقلبه، وجردته من نعمة التفكير السليم، غير المنحاز إلا للحق، ومن أعجب الأمور أن يسلم الإنسان عقله رهينة لغيره، دون النظر حتى إلى ما تحت قدميه، وهذا ما نراه واضحا من بعض الفئات التي ارتهنت لجهات أجنبية، وسلمت قيادها لمن يريد لها الدمار بدعوى الانتماء المذهبي أو الفكري أو السياسي، وهو انتماء أعمى لا يستطيع الوصول إلى تلمس حقائق الأمور ووقائع الأحداث، واستقراء المستقبل استنادا لمعطيات تلك الحقائق والأحداث. ومن المفجع حقا أن يتبنى بعض المثقفين موقفا انهزاميا ومغايرا لما يبشرون به من أفكار تنتهي مصداقيتها عندما تصهرها نار التجربة، لتكشف عن فاجعة الفرق بين النظرية والتطبيق، بين القول المنمق الجميل، والفعل الأرعن القبيح. فهناك من يدعو إلى نبذ الطائفية وهو أشد طائفية من غيره، وهناك من يدعو إلى العمل على تمتين اللحمة الوطنية، وهو يعمل على تفتيتها، بل ويتشدق بالانتماء الوطني ووجدانه وضميره مرتبط بوطن آخر، وليس بالنية فالنوايا علمها عند الله، ولكن بالعمل الخفي الذي لا يلبث أن يظهر على حقيقته عندما تهب رياح الأحداث، لتكشف الخبيث من الطيب، وتتعرى الوجوه القبيحة، وينزاح الستار عما يخبئه من بشاعة الواقع الانهزامي للثقافة الهزيلة. ومن أسوأ الأمور أن تتخذ الشعارات البراقة ذريعة للهروب من المسئوليات الوطنية، ومع أنه ليس من حق أحد المزايدة على قضايا الوطن، أو ادعاء واحتكار الوطنية مهما كانت الحجج والذرائع، إلا ان التجارب هي المحك الذي يظهر المعدن الأصيل من المعدن السيئ، فلا حجة لأحد بالانعزال عن ركب واقع وطنه، وعدم الدفاع عنه، وإعلان موقف وطني واضح، لا يعرف المواربة أو التخاذل أو الصمت، والمثقف هو في الطليعة عند الحديث عن قضايا الوطن والدفاع عنه، ولا يليق به أن يكون في الصفوف الخلفية، هروبا من مواجهة ورفض وإدانة الأحداث المسيئة لوطنه، والمشاركة في أي عمل يضمن حماية الوطن من أعدائه، والذود عن حياضه من المتربصين به، والذين يريدون به شرا في السر والعلن، فانهزام المثقف هو كارثة وفاجعة بكل المقاييس. وإذا كنا ندين الهاربين من صفوف النضال الوطني بالقلم أو بالسلاح، أو العمل الجاد المثمر، فإننا أيضا ندين حملات التشهير التي تشن ضد فئات آمنت بواجبها الوطني، وعملت على تأكيد انتمائها للوطن، دون النظر إلى الاختلاف المذهبي أو الفكري أو السياسي، فليس من العدل أن تؤخذ الجماعة بخطأ الفرد، وفي كل الفئات والمذاهب توجد التوجهات المشبوهة، كما توجد الخيانات للوطن، وهذا هو الذي تتركز عليه إدانة الجميع، ويرفضه المثقفون المخلصون لأوطانهم، الذين لا يزايدون على الوطنية، بل يعملون من أجل الوطن وليس من أجل سواه، هؤلاء المثقفون هم من تقع عليهم مسئولية إنارة الطريق أمام جماعاتهم وشركائهم في الوطن، لتأكيد أهمية التفكير الجاد في إعادة النظر في تلك القناعات والمشاعر السلبية التي تقود أصحابها إلى الهاوية، سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه، ويوم تدور الدائرة على العابثين بأمن الوطن، فلا شيء يحميهم من العقاب الصارم، ولا منجاة لهم من إدانة الأجيال لهم، بعد أن يتخلى عنهم شياطينهم الذين قادوهم إلى الضلال، وسوء المآل.  رئيس مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي