جدلية الصراع
يعج تاريخ الاكتشافات والابتكارات العلمية بكثير من التحولات، ومراكز الانتقال الجذري في عدد من التقنيات ووسائل الحياة والتطور فيها. وكلما توصل البشر، أو العلماء في مختبراتهم ودراساتهم الجوهرية إلى نتائج مهمة، تحولت الصناعة وما يرتبط بها من دورات إنتاج، وكذلك عجلة الاقتصاد إلى اتجاه آخر قائم على ما توصلت إليه المبتكرات أو الاكتشافات العلمية. فأصبحت بهذه الصورة ارتباطات الدورتين قائمة وقوية: البحث العلمي والدراسات المتعلقة بالمستجدات من جهة، والاستخدام المصاحب أو اللاحق لما تنتجه عقول العلماء، وتطبيقه على أرض الواقع. لكن العملية لم تكن دائماً بهذه السهولة؛ فقد نشأت للأسف جهتان مختلفتان كلياً، وظيفة وتأثيراً في المجال العملي لنتائج بحوث العلماء في مجال الاكتشافات والابتكارات العلمية.الأولى هي تلك العقول البشرية، التي تهب نفسها للعلم كلياً، وتخلص في سبيل التوصل إلى ما ينفع البشر، أو يطور آليات تعاملهم مع الظروف المحيطة بهم: طبياً أو هندسياً أو كيميائياً أو فيزيائياً أو تنموياً في أي من مجالات الحياة، والثانية هي الجهات المتلقية لأبحاث أولئك العلماء، والمستفيدة من التقدم العلمي في أي من تلك المجالات. وفي حالة تؤكد استبداد الجهة الثانية (مجتمع الصناعة والتقنية والمال)، حدث أن توصل عالم كرواتي في مطلع القرن التاسع عشر، هو الفيزيائي نيكولا تيسلا (Nikola Tesla) إلى فرضية علمية تؤكد مقدرة البشر في ذلك الوقت على جعل الضوء متاحاً للجميع وبصورة مجانية. وهي نظرية ثورية في هذا المجال، وربما تساوي ما يسعى إليه بعض العلماء والسياسيين وأصحاب المبادرات الاجتماعية، بجعل الانترنت حالياً مجانية للبشر جميعاً. لكن القائمين على تحويل المبادرات العلمية إلى واقع عملي، وهم بطبيعة الحال رجال الصناعة والإقطاع، كان يسوؤهم أن يتمتع البسطاء بهذا الحق، الذي يجعلهم يتساوون مع علية القوم، ويستغنون عن بعض منتجاتهم التي يقومون بتصنيعها وبيعها إليهم؛ فقاموا بالتكتم على هذه المبادرة الجريئة من هذا الفيزيائي الفذ في ذلك الزمان.وعندما نستعرض نظرية تيسلا، فليس لأنها فريدة من نوعها في هذا الصراع الجدلي بين العلم وأصحاب التطبيقات العملية؛ بل إن هناك تجارب كثيرة، كانت قد اشترت فيها شركات صناعية كبرى حقوق ما تتوصل إليه من نتائج، بحكم دعمها ورعايتها للمشاريع العلمية المتصلة بنشاطاتها. وعندما يتوصل العلماء إلى ما يمكن أن يغير سلوك عملاء هذه الشركات الاستهلاكي (مثل أن تصبح الأجهزة معمرة، ولا تحتاج إلى تحديث، أو لا تبلى بسرعة أو تحتاج باستمرار إلى قطع غيار)، فإنهم يتوقفون عن استثمار هذه النتائج، وربما يلجأون إلى حجبها عن النشر؛ فهم يملكون البراءة العلمية في هذا الابتكار. مثل ذلك تقوم به بعض شركات الأدوية الكبرى، التي تشعر بأن أي منتج جديد قد يبعد خطر مرض فتاك، أو أوبئة استثمرت أموالاً في صناعات متصلة بمقاومتها وعلاجها، لن يكون مجدياً لها اقتصادياً. فتقوم بعضها بشراء حقوق بعض تلك الدراسات المعملية، ثم تقوم بتجميدها كلياً، لئلا تؤثر على وضعها الاقتصادي، ولا يستطيع منافسوها الاستفادة منها في منتجات جديدة أو خلق وضع مختلف، لا يبقى فيه لمنتجاتهم القديمة سوق رائجة. فهل سيأتي يوم تتخلص البشرية فيه من استبداد الشركات وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يهمهم مضاعفة أرباحهم بغض النظر عن مآلات المنتجات التي يقومون بتصنيعها وتسويقها، وكذلك دون اهتمام بأثر ذلك على الإنسان أو البيئة بشكل عام؟ نأمل ذلك، وإن كانت السوق العالمية لصناعة التبغ، وكذلك لوبيات صناعة السلاح، لا تشجع على التفاؤل في هذا المجال! أستاذ اللسانيات بجامعة الملك سعود