الحركة.. السر الكبير 2-2
انتهى بنا المقال السابق عند هذا السؤال:هل خلق الإنسان جبلة وفطرة متحركا وعند غلبة النعاس ينام وعند الكلل يأخذ بعض الراحة؟ أم خلق وادعا ساكنا وعند وجود باعث ملح أو رغبة قوية ينبعث لعمل أو يبذل جهدا ليعود توا لسكونه وراحته الأصلية؟قد يظهر أنه سؤال جدلي فلسفي، وليس كذلك البتة!بل هو مرتكز يفعل فعلا عجيبا في كل تصرفات المرء وتقلباته، ويؤثر بقوة وعمق في خفة الروح وإقبال النفس وتجاوب الأعضاء.. أو عكس ذلك كله.ولذا فعندما رسخت قناعة أن الأصل السكون في قاع نفوس وباطن عقول؛ تغير كل ما عهدنا، وسلكنا سبيل السلبية والاستهلاك والاتكالية وهلم جرا.وإن علينا أن نعلم أن الفلاح في الآخرة والأولى، وسعادة النفس وبهجتها، واستقامة الصحة واستقرارها، وتحلحل أغلب مشاكل الأسرة والمجتمع مرتكز على العمل وثقافة السعي والكد والإنتاج والحركة.نعم.. الحركة التي نراها فطرة عند الطير والنحل والنمل والسحاب والأفلاك والأسماك وكل الكون حتى النبات يعمل دائبا امتصاصا وتمثيلا ونموا.. حتى الذرات تدور إلكتروناتها بشكل دائم دائم، وكل في فلك يسبحون.إلا هذا الإنسان التعس المسخ الذي ليس بجماد فيعذر ولا حي سوي فيسعد!إن من يعمل ويكدح يجد طعما حقيقيا ورائعا للنوم ولشربة الماء وللحظة الراحة، وهي معانٍ محروم منها دوما وأبدا من أدمن الراحة، وجعل السكون شعاره ودثاره. جزاء وفاقا، ولا يظلم ربك أحدا.وصدق حبيب بن أوسبصرت بالراحة الكبرى فلم أرهاتنال إلا على جسر من التعب.أما أولئك فيكفيهم قول أبي الطيب:يرى السفهاء أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع اللئيمتأمل في الكتاب العزيز تجد أن الإنسان وُصِفَ أو حُثَّ على المشي، والسعي والمسارعة والمسابقة بما يوحي بالمبادرة والجد والهمة، والضرب في الأرض الموحي بالقوة.أما السُنة النبوية والسيرة المصطفوية فهما ناطقتان بالجد والسعي والعزم والحزم بما لا يُحاط به كثرة.فأين لذي القعود والجثوم ترهباً، أو عجزا أن يجد له مستندا من شرع أو عقل؟!يجب أن ننادي جميعا بثقافة ترسخ معاني السعي والحركة والإنتاج، والكد طلبا لمرضاة الله تعالى، وتقديما للباقية، وإحرازا للفلاح في الدنيا والآخرة، ورفعا لعز ديننا، ومنزلة بلادنا بين البلاد. لا بديل لذلك إلا مزيد من التراجع، وإن «الجيل الثالث» المستنبت من ثقافة العجز والكسل سيصل إلى مدى قد لا يمكن مجرد تصوره الآن!