الوزراء بعد الثامنة..!

العمل الإعلامي اليومي لا يخلو من الأخطاء، وهذا مفهوم، كذلك التصريحات التي تأتي على الهواء مباشرة من قبل المسؤولين فتحتمل أيضا الخطأ أو الخروج عن النص، وهذا متوقع، لكن ما حدث في برنامج (الثامنة) المسجل مع الوزراء، تجاوز ما هو مفهوم وما هو متوقع.

حتى لو لم تثر الحلقة ما يستفز السعوديين، بودي أن أسأل الإعلامي القدير الذي تعلمنا منه كثيرا داوود الشريان، ما الغرض من جمع كل هؤلاء الوزراء على طاولة برنامج مسجل؛ لمناقشة عناوين كثيرة وكبيرة وشائكة؟ وهل تحتاج الحلقة لتسخين كي يُسرب ثلث البرنامج قبل ساعات البث؟ وكيف تظهر الحلقة المسجلة وبعد الحذف والتعديل بصورة صادمة كما وصفها الشريان نفسه قبل أن تُذاع رسميا؟

هذه الأسئلة لم أجد لها إجابات منطقية، فمن جانب ظهر المحاور في غير عادته بعيدا عن التقاط الأسئلة المهمة ليترك الإجابات غير مكتملة أو خارجه عن سياقها، وفي بعض الوقت تشعر بأن جزءا من الحوار كان بمثابة نقاش فيما بين الوزراء أنفسهم وكأنهم هم جمهور الحلقة، لكنه لا يصلح لإقناع المتابعين إطلاقا.

قبل حلقة (الثامنة) كنت وكثيرون ربما مثلي مقتنعا من ضرورة تخفيض البدلات لإحداث تقارب بين بيئة العمل في القطاعين الخاص والعام، ولتجاوز الهدر في مصارف غير مبررة، وبعد الحلقة وجدت نفسي غير مقتنعٍ بعدة مبررات ساقها معالي وزير الخدمة المدنية خالد العرج، منها مثلاً أن بعض الانتدابات وصلت لمائة يوم فهل هذا مبرر لإلغاء الانتدابات أو تقنينها؟ وهل يخلو القطاع الخاص من بدل للانتدابات؟

وعلى نفس الشاكلة، تحدث عن بدل الصندوق وهذه أيضا ليست من باب تقريب التشريعات مع القطاع الخاص، فالمتعارف عليه هو منح أمناء الصناديق أو النقدية بدلات نظير مخاطر النقص في الكاش الذي بين أيديهم، والذي إن حدث فسيُساءلون عليه، أما أن بعض البدلات عفى عليها الزمن مثل بدل حاسب آلي أو نسخ؛ أليس من حق بعض المهن النظر في رفع رواتبها الأساسية أيضا؟

معالي وزير الخدمة المدنية تحدث عن الموظف السعودي في القطاع الحكومي، وعن إنتاجيته، فهل هذا مبرر لتقليص الوظائف وتجميدها أو لتصحيح تشريعات الوزارة، خاصة فيما يتعلق بالانضباطية؟ وهذا التصريح بالمناسبة يعود لدراسة ذُكرت منسوبةً لوزارة الاقتصاد والتخطيط قبل سنتين وأُذيع عنها في نشرة لـ MBC، وتسببت في رد فعل غاضب على شبكات التواصل الاجتماعي عام 2014م.

فهل من المقبول أن يُعاد ذكرها في حلقة مسجلة للتقليل من حدة غضب بعض المواطنين من إلغاء بعض البدلات، ثم أليس من المجحف بحق من يعمل بإخلاص في وزارة معاليه مثلا أن يسمع مثل هذا التصريح؟ ولماذا لم تُنشر هذه الدراسة مكتملة من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط، والأسس التي اعتمدتها لإصدارحُكم بهذا المستوى من الشمول والتعميم والإساءة للمواطن.

صحيح أن الرؤية تتطلب تضحيات وتغيير ثقافة المواطن نحو العمل في القطاع الخاص، لكن الحلقة -للأمانة- لم تخدم هذا الهدف، بل وأثارت تساؤلات حول سبب تحول معالي وزير الخدمة المدنية من القطاع الخاص للعام، وكيف نثق في خطط تحليلات وزارات إنتاجية موظفيها لا تزيد على ساعة واحدة، والأهم ألا يكون هذا هو الجزء من الحلقة الذي قال عنه الشريان بأنه موجه للمستثمرين في الخارج؟!

للانصاف قد يكون لدى الوزراء توضيحات لأفكار وتحليلات صادمة بسبب ضيق الحلقة أو إهمال المحاور مضطرا لقضايا مهمة، منها مثلا ما جاء على لسان معالي نائب وزير الاقتصاد والتخطيط محمد التويجري حول قانون جيستا، وكان من المنتظر أن نستمع لتوضيح حول مستقبل الصندوق السيادي والاستثمار الخارجي للدولة بعد صدور القانون والبدائل الممكنة.

أو أن نتعرف على سبب وجود أبراج تم تسليمها لجامعة سعودية تبين أن جدرانها تسرب المياه، كما أشار العرج، وهل هذا له علاقة بالهدر في الصرف على مباني الجامعات، أم أنه أمر يتعلق بوجود فساد جاءت الرؤية لمعالجته. للأسف قناعاتي بمبررات الوزراء بعد (الثامنة) أصبحت تحتاج إلى أكثر من حلقة في برنامج عابر.

مشاري العفالق أكتوبر 26, 2016, 3 ص