DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

من قصة موسى

من قصة موسى

من قصة موسى
من قصة موسى
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قلت في مقال سابق: إن هذه الآيات تستحق منا وقفة بعد أخرى نتأمل معانيها الظاهرة والباطنة، التي تحمل دلالات رفيعة في الأخلاقيات الخاصة وأساليب التعامل الإنساني،  وتنوعاً غنياً في العرض لأخلاق ومقاييس فرطنا في بعضها كثيراً، وأصدرنا أحكاماً قاسية ليست من الدين في شيء على بعض من عملوا بها. فلننظر أولاً في حال الفتاتين فقد خرجتا في عمل لا يناط عادة إلا بالرجال وهو الرعي، ولكنهما قامتا به تحت ظرفهما الخاص (وأبونا شيخ كبير)إن تدبر القرآن لا يعني أن تقرأه قراءة مجودة وتعرض عن المعاني المحكمة التي نحن اليوم بأمس الحاجة لها في زمن مختلف ومتناقضات متعددة وتؤديانه رغم صعوبته لما يحف به من مخاوف الصحراء ذات المخاطر المتعددة؛ إلا أنهما حين وصل الأمر للسقاية، حيث يزدحم المكان بالرجال وقفتا غير بعيد حتى يتهيأ لهما الوقت المناسب وهذا طبع متأصل في النساء، فالمزاحمة تختلف عن الاختلاط الذي يتطلب تعاملاً عن بعد دون عزله طالما أن الهدف واضح والمكان عامر بالناس. ومن عادة الرجل المهذب أن يتصرف كما فعل موسى (عليه السلام) حين بادر بتوجيه السؤال للمرأتين، ما خطبكما؟ كلمة واحدة تغني عن عشر ولم تظهر الكلمة ما يثير استهجانا أو حكما مسبقا، وهو وإن كان يتوقع الإجابة ويعرفها، إلا أنها كانت مدخلاً استئذانياً معلناً للوقوف على حاجتهما والبدء في العون. ولم تمتنع الفتيات عن السماح له بذلك، ولم يداخلهما شك في حسن النوايا، كما لم يستغل موسى الحال للتصرف بما يسيء لهما عندما أخبرتاه بالمطلب والسبب. ولو كان الأمر بيننا اليوم لتداخلت مع هذا الموقف أمور مشينة من قبل أطراف الموقف، ومن قبل من ينظر إليهما من بعيد، فأغلب الظن أن من ينظر لمثل هذا الحال سيفكر مباشرة بأسوأ الظنون، فالشاب يتحرش بالفتيات بعد أن تسببن هن في لفت نظره لسوء تصرفهن حين عملن في الرعي، ثم اقتربن من مكان مكتظ بالرجال. هذا بخلاف ما قد يتبادر إلى ذهن الفتاتين أو الشاب من رغبة في استغلال الموقف. انتهت المبادرة سريعاً بمجرد أن (سقى لهما) دون أن يترتب على ذلك أي أمر لا يحتمله الموقف عند الأسوياء من الناس. سيقال: هذا نبي اختاره الله ليحمل رسالته، ولذا فهو لا يقارن مع البشر، وهذا هو الرد الجاهز المعلب الذي يفاجئك به كثير من الناس عندما يتحرك عقلك وتستنتج أمراً يتناسب مع واقع الحال!! وكأننا لا نعلم بأن القصص في القرآن الكريم  ما هي إلا درس تلو آخر لنا لنتعلم منه صغائر الأمور وكبارها، مما قد يعرض لنا في حياتنا اليوم فنقيس عليه ما يهذب أخلاقنا ويسن لنا قوانين التعامل مع بعضنا بعضاً في كثير من الأمور. فقصة موسى وحدها فيها من العبر والدروس مع فرعون ومع الخضر، ومع كل من اقترب منه وتعامل معه في قصته المليئة بالأحداث، التي تجعلنا نكذب تلك الادعاءات الاجتماعية العامة التي لطالما أثرت على المسيرة اليومية للحياة العامة بكل ما فيها من تفاصيل؛ لأننا أخضعناها لمفهومنا الناقص والمشوه بالظنون والشكوك بنوايا من حولنا من الناس، فصعبنا الحياة على أنفسنا وصعبها علينا من له من الأمر شيء، ومن ذلك مسألة حضانة الطفل ورعايته بعد أن ألقي موسى في اليم، ووصف القرآن قلب أم موسى (بالفارغ) حتى أعيد لها صغيرها بطريقة أخرى. تلك أحداث دبرها الرحمن الرحيم لنبيه، ومع هذا لم يترك قلب أمه فارغاً فأعاده لها، فما بال بعضنا اليوم يتعنت فيما يحكم به، حين يرضى بانتزاع الأبناء من أمهاتهم دون وجه حق، لتترك عشرات النسوة بأفئدة فارغة!! وأعجب من حالنا، فإذا كنا نؤمن بالله وبكتابه ونتواصى دائماً بعدم هجره والعمل به، فلماذا نقسمه إلى قسمين: قسم نطبقه، وقسم نتفلت منه ونراوغ في تقصي معانيه؛ لأنه يتعارض مع ما نريد لأسباب خاصة بنا وليست من الدين في شيء!.  إن تدبر القرآن لا يعني أن تقرأه قراءة مجودة، وتعرض عن المعاني المحكمة التي نحن اليوم بأمس الحاجة لها في زمن مختلف ومتناقضات متعددة، أدت إلى الإعراض عنه لأن هناك من يشوه معانيه لكي يتناسب مع ما يريده هو.
المزيد من المقالات