في أوقات كثيرة عندما تلح علي طفلتي أن أقص عليها قصة ما قبل النوم أصاب بالحيرة! إذ لم أعتد أن أقرأ قصص الأطفال في طفولتي، ولم أكن أشاهد الرسوم المتحركة كثيرا.
اخترت -في آخر مرة- أن أروي لها قصة ناجي العلي، وقمت برسم حنظلة وأخبرتها كيف أن صدغه اخترقته الرصاصة وقاتله فر هاربا وظل ناجي يقاوم ويقاوم الموت، فجسده رفض أن يخضع لرصاصة وهو البطل.
رفض ناجي أن يموت على السرير الأبيض، فقدر الأبطال أن يموتوا وقوفا في ساحة المعركة.. ظل يقاوم الرصاصة وهي تحتل جسده وقواه تخور حتى رحل. وهنا تساءلت طفلتي عن غيبوبة ناجي، ماذا كان يرى وماذا كان يسمع؟ أخبرتها إن قلبه المعلق على إحدى زيتونات الخليل كان يودع كل شبر في فلسطين. هنا عاودت سؤالي بدهشة: ماما.. وهل مات ناجي؟ أخبرتها: حنظلة لم يمت، أصبح ناجي رمزا.
كانت طفولتي استثنائية مع مكتبة والديّ فعشقت الكتب منذاك، وكان قدري أن أصافح لافتات أحمد مطر مبكرا، ومنها تعرفت عليه، تعرفت على رفاق طفولتي الحلم، الذين مازلت أتذكرهم.
في إحدى اللافتات، كنت أقرأ: «تريد أن تمارس النضال؟ تعال، قل: إنني ناجي العلي، والويل لي إن لم أضع أصابعي العشر بعيني قاتلي». لربما كنت محظوظة بهذه الرفقة الجميلة المكوّنة من ناجي ورفيق دربه غسان كنفاني وغادة السمان وآخرين.. قرأت عن ناجي كثيرا، وعن طفولته بقرية الشجرة في فلسطين سنة 1936 ومكوثه بها حتى 48 بعد الاجتياح الإسرائيلي ومغادرته إلى لبنان الذي ظل قابعا في إحدى مخيماته. وعن لقائه برفيق دربه غسان كنفاني الذي قدمه للإعلام.
سيرة ناجي حافلة لا تختصرها إضاءة بسيطة. اشتهر ناجي بحنظلة واشتهر حنظلة بناجي، (وحنظلة هذا لمن لا يعرفه هو شخصية كاركتورية لم نر منه إلا ظهره ابتكرها ناجي بالسياسة الكويتية سنة 69 ليشاهد معنا الألم عبر الصورة).
كان حنظلة يشكل لي حالة من الهوس، يحضر كلما أمسكت قلم الرصاص فأقوم برسمه، أشعر أحيانا بأن ناجي ترك روحه في حنظلة وغادر الحياة.
[email protected]