أوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة المهندس ماجد أبو زاهرة، أن كسوف الشمس الكلي الذي سيعبر سماء المملكة في 2 أغسطس 2027، يمثل فرصة تتجاوز مشاهدة الظاهرة الفلكية، ليفتح المجال أمام تلاقي العلوم والتعليم والتقنية والسياحة الفلكية والتواصل العلمي والتعاون الدولي في حدث واحد.
وأشار إلى أن مبادرة «كسوف جدة 2027» تستهدف تحويل هذا الحدث إلى مشروع علمي وتعليمي يمتد أثره إلى ما بعد دقائق الكسوف.
موقع مميز
وقال أبو زاهرة إن جدة تتمتع بموقع مميز داخل مسار الكسوف الكلي، إلى جانب ما تمتلكه من بنية تحتية واتصال جوي دولي، ما يؤهلها لتكون وجهة للرصد واستقبال الباحثين والهواة والإعلاميين والمهتمين من داخل المملكة وخارجها.
وأضاف أن القمر سيغطي قرص الشمس بالكامل فوق جدة في 2 أغسطس 2027، فيما تستمر مرحلة الكلية قرابة 6 دقائق، وتصل الشمس إلى ارتفاع يقارب 76 درجة فوق الأفق عند الحد الأقصى للكسوف، وهي ظروف رصد مميزة تجعل جدة أكثر من مجرد نقطة على مسار الظاهرة، بل موقعًا يمكن أن يستقطب المهتمين بالكسوف من مختلف أنحاء العالم.
وأشار إلى أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب الانفتاح على المجتمع الفلكي الدولي، موضحًا أن العمل على مبادرة «كسوف جدة 2027» شمل التواصل مع شركات ومؤسسات ومبادرات فلكية وتعليمية وعلمية دولية، تعمل في مجالات معدات الرصد الشمسي والتعليم العلمي والتصوير الفلكي، إلى جانب مبادرات مرتبطة بالكسوف في دول تقع ضمن مساره.
بناء شبكة دولية من المعرفة
وبيّن أن الهدف من هذه الشراكات لا يتمثل في إضافة أسماء أو شعارات إلى المبادرة، وإنما في بناء شبكة دولية من المعرفة والخبرة والتواصل، بما يسهم في جعل الكسوف مناسبة لتبادل المعرفة العلمية، وليس مجرد حدث للمشاهدة.
ولفت إلى أهمية التعاون مع الجهات المتخصصة في الرصد الفلكي والشمسي، بما في ذلك الجهات العاملة في الفلاتر الشمسية والتلسكوبات والكاميرات والمعدات الفلكية والتعليم العلمي، مؤكدًا أن وجود هذه الجهات ضمن شبكة داعمة للمبادرة يتيح تبادل الخبرات، والتوعية بالاستخدام الصحيح لمعدات الرصد، وتعزيز ممارسات السلامة الشمسية، وربط الجمهور السعودي بالمجتمع الفلكي العالمي.
وأكد أن أهمية ذلك تتضاعف مع توقع إقبال أعداد كبيرة من الأشخاص الذين قد يخوضون تجربة رصد الكسوف للمرة الأولى، ما يستدعي توفير تجربة تجمع بين السلامة والمعرفة والمتعة.
دعم وتبادل دولي
وأوضح أن التعاون الدولي لا يقتصر على الشركات المتخصصة، بل يشمل أيضًا المبادرات والمؤسسات الواقعة على امتداد مسار الكسوف، مشيرًا إلى وجود علاقات دولية مع مبادرات مرتبطة بالظاهرة، من بينها منصة «Eclipse Convergence Platform» في مصر، التي أعلنت عن علاقة دعم وتبادل دولي للمعلومات مع مبادرة «كسوف جدة 2027»، مستفيدة من الرابط الجغرافي بين جدة والأقصر باعتبارهما ضمن مسار الكسوف.
وقال أبوزاهرة إن الكسوف لا يعرف الحدود السياسية، إذ سيمر ظل القمر في 2 أغسطس 2027 فوق دول ومجتمعات وثقافات مختلفة، ما يجعل الظاهرة لغة علمية مشتركة تجمع البشر في لحظة واحدة، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم ومواقعهم.
وأشار إلى أن بناء العلاقات الدولية بدأ قبل موعد الكسوف بوقت كافٍ، لأن المشاريع الدولية تحتاج إلى وقت لتأسيس العلاقات والثقة وتبادل الخبرات، موضحًا أن الحدث نفسه سيستمر دقائق، لكن ما يمكن أن ينتج عنه من برامج تعليمية وأبحاث وتبادل معرفي وسياحة فلكية وشراكات علمية يمكن أن يمتد لسنوات.
رصد الكسوف
وأضاف أن العمل الجاري يمثل استثمارًا في مرحلة «ما قبل الكسوف» بقدر ما هو استعداد ليوم الظاهرة، بهدف أن تصل جدة إلى 2 أغسطس 2027 وهي حاضرة بالفعل لدى المجتمع الفلكي الدولي باعتبارها إحدى الوجهات المهمة لرصد الكسوف.
وأوضح أن المبادرة لا تفرض التزامات مالية أو تشغيلية أو علمية على الجهات التي يجري التواصل معها، وإنما تستهدف الحصول على الدعم المعنوي والدولي، وتبادل المعرفة، وإتاحة استخدام اسم المبادرة أو شعارها عند الموافقة، وفتح قنوات للتعاون والتواصل العلمي، بما يسمح بمشاركة الجهات وفق إمكاناتها واهتماماتها.
وبيّن أن مجالات المشاركة يمكن أن تشمل التعليم، ومعدات الرصد، والسلامة الشمسية، والإعلام والتواصل العلمي، أو دعم حضور المبادرة دوليًا، مشيرًا إلى أن القيمة الأساسية تتمثل في بناء الثقة والعلاقات مع المؤسسات والجهات المتخصصة خارج المملكة.
برامج ومشروعات سياحية
وقال إن استعداد المملكة للكسوف ينبغي ألا يكون منفصلًا عن المجتمع الفلكي العالمي، خصوصًا مع تنامي الاهتمام الدولي بالحدث وظهور برامج ومشروعات سياحية تضع جدة ضمن وجهات مشاهدة الكسوف، مؤكدًا أن الهدف لا يقتصر على دعوة العالم لمشاهدة الظاهرة من جدة، وإنما المشاركة في تبادل العلم والخبرة والمعرفة.
وأشار إلى أن الطموح يمتد إلى بناء مبادرات تعليمية بعد الكسوف، تشمل برامج للأطفال والشباب، وأنشطة للرصد الآمن للشمس، وتبادل الخبرات مع المؤسسات الفلكية، والمشاركة في المشاريع العلمية، وتقديم تجربة علمية وثقافية متكاملة للزوار.
وأضاف أن مبادرة «كسوف جدة 2027» لا تنظر إلى الجمهور باعتباره متفرجًا فقط، وإنما تسعى إلى أن تبدأ رحلة التعلم قبل الكسوف، وتستمر التجربة أثناءه، ثم تبقى المعرفة والذكريات بعد انتهائه، لافتًا إلى مشروعات مثل «KUSOOF» التي تستهدف تقريب علوم الكسوف من العائلات والأطفال وتحويل الاستعداد للحدث إلى تجربة قائمة على الفضول والاكتشاف.
مشروعات تعليمية وبحثية جديدة
وأكد أبو زاهرة أن السؤال الأهم ليس عدد الأشخاص الذين سيشاهدون الكسوف، وإنما ما الذي سيبقى بعد انتهائه، موضحًا أن نجاح الحدث يمكن أن يقاس بما يتركه من جيل أكثر اهتمامًا بعلم الفلك، وطلاب أكثر معرفة بالعلوم الشمسية، وعلاقات بين المؤسسات العلمية، ومشروعات تعليمية وبحثية جديدة، إلى جانب تعزيز حضور المملكة كوجهة في مجال السياحة الفلكية.
وقال إن القيمة الحقيقية لمبادرة «كسوف جدة 2027» تكمن في بناء جسر بين جدة والعالم من خلال السماء، عبر العلم والسلامة والتعليم والتعاون الدولي والتواصل الحضاري، مشيرًا إلى أن الشمس والقمر والظاهرة التي سيشهدها الملايين تمثل عناصر مشتركة بين الشعوب.
وختم أبو زاهرة بالتأكيد أن العلاقات التي يجري بناؤها حاليًا تمثل بداية الطريق، وأن الطموح يتمثل في حضور اسم جدة داخل المجتمع الفلكي العالمي، ليس فقط بسبب مرور الكسوف فوقها، وإنما بسبب تحويل الحدث إلى مشروع علمي وتعليمي يمتد أثره إلى ما بعد 2 أغسطس 2027.
