وقد أثبتت شواهد التاريخ والتجارب أن بعض المنشآت، خصوصًا في مراحل معينة من عمرها، تقع في فخ خطير يتمثل في الانشغال بالمظاهر الإدارية على حساب الجوهر التشغيلي. حيث تبدأ الأزمة غالبًا عندما تنتقل الإدارة من التركيز على البيع والإنتاج والجودة وخدمة العملاء إلى التركيز على المسميات والهياكل والدراسات واللجان والمبادرات والشعارات. حينها تبدأ الشركة في بناء صورة أكبر من حجمها الحقيقي، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتها الفعلية على المنافسة وتحقيق النتائج.
ولا يعني ذلك أن إعادة الهيكلة أو الدراسات أو الاستشارات أمور عديمة القيمة، لكنها تتحول إلى عبء عندما تصبح غاية بحد ذاتها وليست وسيلة لتحقيق هدف واضح. فبعض الشركات تتعامل مع الاستشاريين كما يتعامل المريض مع المسكنات؛ يشعر بتحسن مؤقت دون أن يعالج أصل المرض.
وتزداد الظاهرة وضوحًا في بعض القطاعات التشغيلية بطبيعتها، مثل المقاولات والخدمات اللوجستية والصيانة والتشغيل والخدمات المساندة. فهذه القطاعات تقوم على التنفيذ والانضباط والإنتاجية والسرعة وضبط التكاليف. ولذلك، فإن نجاحها يعتمد على قوة العمليات التشغيلية أكثر من اعتماده على المظاهر الإدارية. ومع ذلك، نرى أحيانًا شركات صغيرة أو متوسطة الحجم تتصرف وكأنها مؤسسات عالمية عملاقة، فتُغرق نفسها في طبقات إدارية ومسميات معقدة لا تضيف قيمة حقيقية للعمل.
إن تغيير اللوحات لا يغير النتائج، ومن أكثر المظاهر انتشارًا المبالغة في تقديس اللغة الإنجليزية والمسميات الأجنبية. فلا خلاف على أهمية اللغة بوصفها أداة تواصل ومعرفة، لكن المشكلة تنشأ عندما تتحول الأداة إلى غاية. فبعض المؤسسات أصبحت تقيس قيمة الموظف بقدرته على استخدام المصطلحات الأجنبية أكثر من قياسها لقدرته على الإنجاز والإنتاج. كما أصبح بعض الموظفين بارعين في الحديث عن الاستراتيجية والحوكمة والتحول الرقمي والتمكين المؤسسي والمواءمة التشغيلية، بينما تعجز إداراتهم عن معالجة أبسط المشكلات اليومية التي تواجه العملاء أو العاملين.
والأمر ذاته ينطبق على الهوس المتزايد بمؤشرات الأداء. فالمؤشرات وُجدت لقياس الأداء، لا لتصبح الأداء نفسه. وعندما تنشغل المؤسسة بتحقيق أرقام المؤشرات أكثر من انشغالها بتحقيق النتائج الفعلية، فإنها تدخل في دائرة مميتة من الخداع الذاتي. إذ يصبح الهدف هو إرضاء التقارير بدلًا من إرضاء العملاء، وتحقيق الأرقام بدلًا من تحقيق القيمة. ولهذا، نجد شركات تمتلك عشرات لوحات المتابعة ومئات المؤشرات وآلاف التقارير، لكنها تعاني في الوقت ذاته من تراجع المبيعات أو انخفاض الجودة أو فقدان العملاء أو ضعف التدفقات النقدية. فالنجاح الحقيقي لا يظهر في العروض التقديمية، بل يظهر في الأرباح المستدامة ومدى رضا العملاء والمنتجات القادرة على المنافسة.
كما أن الإفراط في إنشاء الإدارات والمراكز المتخصصة قد يتحول إلى استنزاف مالي وإداري. فبدلًا من توجيه الموارد نحو تطوير المنتج أو تحسين العمليات أو استقطاب الكفاءات التشغيلية، يتم توجيهها إلى وحدات تنظيمية «مراكز تكلفة» جديدة تضيف طبقات إضافية من الإجراءات والموافقات والاجتماعات. ومع مرور الوقت تصبح المؤسسة أبطأ في اتخاذ القرار، وأكثر تكلفة في التشغيل، وأقل قدرة على المنافسة.
ومن المفارقات أن كثيرًا من الشركات التي حققت نجاحات استثنائية عبر التاريخ لم تبدأ من قاعات الاجتماعات الفاخرة ولا من التقارير المعقدة، بل بدأت من التركيز الشديد على العميل والمنتج والسوق.
كما أن الشركات لا تنهار عادة بسبب نقص العروض التقديمية، ولا بسبب قلة المسميات الأجنبية، ولا بسبب غياب الدراسات الملونة. بل تنهار عندما تفقد قدرتها على البيع والإنتاج والمنافسة وضبط التكاليف وإدارة النقد، وهذه كلها أمور تشغيلية في جوهرها.
لذلك، فإن الإدارة الحكيمة هي التي تدرك أن الهيكل التنظيمي وسيلة، وأن المؤشرات وسيلة، وأن الاستشارات وسيلة، وأن المسميات وسيلة. أما الغاية الحقيقية فهي بناء مؤسسة قادرة على تحقيق قيمة مستدامة لعملائها وملاكها وموظفيها.
ولهذا، يبقى الدرس الأهم في عالم الأعمال بسيطًا رغم كل التعقيد المحيط به، وهو أنه عندما تكبر المظاهر أكثر من اللازم، فربما يكون ذلك مؤشرًا على أن الجوهر بدأ يصغر.
[email protected]


