فقال له المأمون: «ويحك، وكيف ذلك؟»
فقال: «إن الصيدلاني لا يطلب منه إنسان شيئًا من الأشياء، كان عنده أو لم يكن، إلا أخبره بأنه عنده، ودفع إليه شيئًا من الأشياء التي عنده، وقال: هذا الذي طلبت. فإن رأى أمير المؤمنين أن يضع اسمًا لا يُعرف، ويوجه جماعة إلى الصيادلة في طلبه ليبتاعوه، فليفعل».
فقال له المأمون: «قد وضعت اسمًا، وهو «سقطيثا»، ووجّه جماعة من الرسل يسألون الصيادلة عن «سقطيثا»، فكلهم ذكر أنه عنده، وأخذ الثمن من الرسل، ودفع إليهم شيئًا من حانوته. فصاروا إلى المأمون بأشياء مختلفة؛ فمنهم من أتى ببعض البذور، ومنهم من أتى بقطعة من حجر، ومنهم من أتى بوبر.
في زمننا اليوم «سقطيثائيون» كثر؛ في التربية يوجهونك إلى أفضل الوسائل التربوية للتعامل مع أولادك، وفي الاستثمار يتفضلون عليك بأفضل الخطط الاستثمارية، بينما هم لا يملكون ما يوصلهم إلى آخر الشهر. وفي الرياضة يحللون لك الأوضاع الرياضية بتفاصيلها، وفي السياسة والاقتصاد تعتقد مما تسمع منهم أنهم يملكون أدوات استشراف المستقبل، من التوقعات التي يطرحونها لما سيكون عليه العالم من اليوم وحتى يوم القيامة. وعندما يأتي الأمر إلى الشريعة، يتصدون للرد على العلماء وتقييم أقوالهم، وهم لا يدرون:
يقولون هذا عندنا غير جائز
ومن أنتم حتى يكون لكم عندُ
ولا يقتصر اللوم على السقطيثائيين، بل يمتد إلى من يمنحهم ثقته وعقله.
فالبعض يربي أولاده على ما يقوله أصدقاء الاستراحة، ويستثمر بناءً على ما يشاهد ويسمع في مواقع التواصل الاجتماعي، ويختار تخصصه الجامعي وفق ما يريده الآخرون. وفي هذه الدوامة يدور ضعفاء الثقة بأنفسهم.
ضع قاعدة في حياتك: لا تستشر إلا متخصصًا، ولا تُقدم إلا بعد أن تدرس، ولا تأخذ الحكمة من أفواه الفاشلين. فكم من قرار أفسدته نصيحة جاهل، وكم من صحة تضررت بسبب الأخذ عن غير المتخصص، وكم من مستقبل ضاع لأن صاحبه سلّم عقله لمن لا يملك علمًا ولا تجربة.
[email protected]



