الخبر هي التالية.. مررت بعدة مدن ثم عدت إلى الخبر أخيرًا.
في الظهران ضحكتُ للمرة الأولى بصدق، وبكيتُ للمرة الأولى دون أن أُخفي دموعي.
أزقتها العتيقة تلمع كعقدٍ مضيء.
كانت طفولتي تركض فيها بلا خوفٍ من الغد.
أصدقاء الطفولة كبروا في داخلي، فنبت حبهم في كل مكان.
ما أحلى حب الطفولة: الحب/ الطفل.
جاءت الخبر، فكبرتُ فيها كما تكبر وردةٌ على ضفةٍ من الحنين.
بين أمواجها وشوارعها تعلمتُ كيف يُكتب الشوق على الأوردة. الخبر مدينة تتكئ على كتف البحر كأنها أنثى تعبث بخصلات الموج حين يطول الغياب..
كم مرةٍ تركتُ قلبي عند شاطئكِ وعدتُ بلا قلب، كمسافرٍ نسي حقيبته في الميناء.
كل المدن التي عبرتها لم تكن سوى مرايا لوجهكِ، وكل الأزقة التي مشيتها كانت تسألني عنكِ بصوت الريح.
ثم جاءت جدة التي تغني في ليلها فتستحيل عروسة بحرٍ يافعة.
كانت تشبه امرأةً تعرف أسرار الرجال، وتخفي دمعتها خلف أفق البحر.
كنتُ أكتب على رملها كلمات لا تقرؤها إلا اللآلئ، وأحدّث قمرها كأنه صديقي الوحيد.
أما الرياض، فهي اسم يُكتب على رئة الصحراء. تشم فيها رائحة الأصالة والأجداد والأبناء الذين أسّسوا ووحّدوا وطوّروا ورسموا طرق المستقبل.
مدينةٌ تتنفس الكبرياء، وتخفي قلبًا من ذهب.
فيها تعلمتُ أن الحلم لا يولد على الشاطئ فقط، بل في رمال الصحراء أيضًا حيث لا شيء سوى الإصرار.
واليوم، حين أعود إلى الخبر، أشعر أنني أعود إلى نفسي.
هذه المدن مررت بها ومرّت بي. نامت على صدري لكنّ الخبر المهم هي الخبر التي بقيت.
هي الفاصلة بين البدايات والنهايات.. بين طفولتي ورجولتي..
هي المكان الذي حين أبتعد عنه.. أضيع.
نهاية:
حين أعود إلى الخبر، أبتسم كأنني أعود إلى.. حضن أمي -رحمها الله-.
[email protected]



