إن أدمغتنا، في محاولتها لترشيد استهلاك الطاقة، تعتمد نظامين للتفكير: «النظام الأول» السريع والآلي الذي ينقذك بالركض عند الخوف، و»النظام الثاني» البطيء والتحليلي الذي يفكك المعضلات المعقدة. الأزمة تبدأ حين يقرر النظام الأول أن يحل محل النظام الثاني، فيوهمنا بأن القرارات الكبرى يمكن اتخاذها بنفس سرعة ردود الفعل الغريزية، ببساطة لأن عقل الإنسان يميل بطبعه إلى «الاختصارات الذهنية» هربًا من مجهود التحليل، وهذا ما يبرر أزمة الانحياز.
تأمل مثلًا رهبة الكثيرين من ركوب الطائرات، رغم أنها إحصائيًا أكثر وسائل المواصلات أماناً، في حين يشعرون بالأمان التام خلف مقود السيارة رغم ارتفاع مخاطرها. هذا التناقض يفسره النوع الثاني من الانحياز «انحياز التوافر»، فنحن نحكم على الأشياء بقدر ما تثيره في مخيلتنا من صور درامية يغذيها الإعلام، لا بقدر ما تقوله الأرقام الجافة.
ولعل الأشد وطأة هو ما نلمسه فيمن يوزعون اتهامات قلة الذوق أو سوء الأسلوب على الآخرين، بينما هم غارقون في ذات الأخطاء. هؤلاء هم ضحايا النوع الثالث «انحياز البقعة العمياء»، وهو أخطر أنواع الانحيازات؛ لأنه يمنح المرء قدرة فائقة على رصد عيوب الآخرين، بينما يصيبه بعمى كامل عن تحيزاته الشخصية.
وكيف لهذا أن يكون طبيعيًا؟ لقد أثبتت صور الرنين المغناطيسي للدماغ أن مراكز العاطفة تنشط بحدة حين يواجه الإنسان ما يتعارض مع معتقداته، وكأنه في حالة دفاع عن النفس، بينما يخمل المنطق وتتراجع القدرة على الاستنتاج في تلك اللحظة.
الحل يبدأ بتبني التواضع المعرفي؛ أي أن نتذكر دائمًا أن عقولنا منحازة بنيويًا. فنستطيع كسر حدة الانحياز عبر الإبطاء المتعمد قبل إطلاق الأحكام، وتعريض أنفسنا لآراء تخالفنا بدلًا من الانحباس في «غرف صدى» لا تسمع فيها إلا صوتك. إن الوعي بأن التحيز هو «برمجة افتراضية» في عقولنا هو الخطوة الأولى لنكون أكثر إنصافًا مع أنفسنا، وأكثر تفهمًا لمن هم أمامنا.
[email protected]



