من هذا المنطلق، يبرز مفهوم «المدن الصديقة للطفل» - الذي تتبناه منظمة اليونيسف - كأحد أبرز المؤشرات الحديثة لقياس جودة الحياة في الحواضر المعاصرة. هذا المفهوم لا يتعامل مع الطفل كمتلقٍ للخدمات فحسب، بل كمواطن أصيل له الحق الكامل في بيئة آمنة وصحية، ومساحات مفتوحة تحفّز فضول الاستكشاف، وتمنحه فرصًا متكافئة للتعلم والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
لقد بدأت ملامح هذا التوجه تتجلى بوضوح في المملكة، مستندة إلى ركائز «رؤية السعودية 2030»، التي وضعت جودة الحياة وتنمية الإنسان في صميم أولوياتها. إن فلسفة البناء الحديثة في المملكة لم تعد مجرد توسع أفقي، بل هي استثمار طويل الأمد في «رأس المال البشري»، يبدأ من المراحل العمرية المبكرة.
تتعدد النماذج المضيئة في هذا المسار؛ حيث تبرز الأحساء كنموذج رائد بعد انضمامها إلى مبادرة المدن الصديقة للطفل، عبر حزمة من المبادرات النوعية التي استهدفت أنسنة الفضاءات العامة وتعزيز السلامة المرورية المحيطة بالمدارس.
وفي قلب العاصمة، تشهد الرياض تحولات حضرية لافتة عبر مشاريع «أنسنة المدينة»، التي تعيد تعريف العلاقة بين الساكن والمكان، من خلال توسيع الرقعة الخضراء وتطوير ممرات مشاة آمنة. أما منطقة عسير، فتمثل بعدًا استراتيجيًا فريدًا؛ إذ تمنحها تضاريسها الخلابة ومناخها المعتدل ميزة تنافسية لتكون بيئة مثالية لتعزيز أنماط الحياة الصحية للأطفال، وهو ما تترجمه المبادرات التطويرية الأخيرة التي تركز على تهيئة بيئات تعليمية وترفيهية تدعم نمو الطفولة في حضن الطبيعة.
إن بناء مدينة صديقة للطفل يتجاوز المفهوم الضيق لإنشاء الملاعب أو رصف الحدائق؛ إذ يتطلب رؤية تخطيطية شاملة تعيد صياغة التفاصيل اليومية للمدينة لتكون محفّزة للنمو وآمنة في جوهرها. فالمدينة الصديقة للطفل هي التي تمنحه الأمان ليمشي وحيدًا إلى مدرسته، والحرية ليلعب دون قيود، والبيئة التي تغذّي خياله.
إن العناية بالتفاصيل العمرانية الصغيرة التي تخدم الطفل هي الضمانة الكبرى لاستدامة المدن الكبيرة؛ فبالتأكيد، المدينة التي تُصمَّم بعين الطفل.. هي في حقيقتها مدينة تُبنى بعين المستقبل.
[email protected]



