تعلّمتُ بعد عشرين عاماً أن العمل ليس ساحة صداقة، وأن الطيبة الزائدة قد تُكلّفك كثيراً إن لم تُحسن توجيهها. وأن الإخلاص لا يعني أن تُرهق نفسك، ولا أن تتحمّل ما ليس لك.
فالعمل احتراف، وللاحتراف حدود، والنجاح يحتاج وعياً قبل أن يحتاج جهداً.
وتعلّمتُ أن تؤدي عملك بإتقان، لا بروح الفارس الذي يستهلك نفسه في كل معركة. وألا تضرب على صدرك لتُثبت إخلاصك، فالجودة وحدها كفيلة بأن تتحدث عنك. وأن الوعود التي لا تملك أدواتها، عبء عليك لا إنجاز يُحسب لك.
وتعلّمتُ ألا أبني نتائجي على معرفتي بالناس؛ فالمزاج يتغيّر، والظروف تتبدّل، والقلوب ليست ثابتة. وأن المعلومة إن لم تكن مؤكدة، فالبحث عنها واجب، لأن القرار الخاطئ قد يُكلّفك سنوات. وتعلّمتُ ألا أحتقر أحداً مهما بدا أقل مني منصباً، فالأيام دوّارة، وقد يصبح من كنت تتجاوزه .. مديرك غداً. وأن أترك مشاكل البيت في البيت، ومشاكل العمل في العمل، لأن الخلط بينهما أول طريق الانهيار.
وتعلّمتُ ألا أستنزف نفسي أكثر من اللازم، فالإرهاق لا يصنع إنجازاً، والاحتراق الوظيفي لا يكافئه أحد. وأن أعطي العمل وقته، والراحة حقها، وأهلي نصيبهم، فالتوازن ليس رفاهية.. بل ضرورة للبقاء. وتعلّمتُ أن المدير ليس معصوماً من الخطأ، وأن الظلم وإن طال لا يدوم.
وأن دعوة المظلوم لا تحتاج واسطة، وأن للحق ربّاً لا ينام.
وتعلّمتُ أخيراً أن الإحسان لا يعني أن تُستغل، وأن الخير لا يجب أن يُقابل بالأذى، وأن الصمت الطويل قد يُفسَّر ضعفاً لا حكمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات:
ما الذي يبقى فعلاً؟
يبقى أثرك.. ويبقى احترامك لنفسك.. ويبقى أنك عملت بشرف، وتعبت بصدق، وخرجت نظيف القلب.. حتى وإن لم تُنصفك الدنيا.
ففي النهاية:
لسنا مطالبين أن نكسب كل المعارك، لكننا مطالبون.. ألّا نخسر أنفسنا.
[email protected]



