أنا طالبة جامعية، أدرس تخصصًا لم يكن رغبتي الأولى، لكني قررت أن أشدّ حيلي، وأن أؤدي واجبي، مؤمنةً بأن الله لا يضعنا في مكان عبثًا. وفي خضم هذا الصراع، جاء الفقد الأول. توفّي جدي سعيد أثناء عقد قران أخي، فرح وحزن متجاوران بشكل مؤلم. حملت الخبر بصمت، وأخفقت في البكاء، وأجبرت نفسي على التظاهر بالقوة لكيلا يفسد الحزن فرحة العائلة. كانت أمي وحدها تشعر بثقلي الداخلي، تقرأ الانكسار في عينيّ.
حين انهارت أمي بعد إبلاغها بالخبر، تغيّر كل شيء. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تقلب المشهد كاملًا. حين أبي أُخبرَ أمي بوفاة أبيها، لم تبكِ بصمت، بل انهارت. كان بكاؤها صراخًا يخرج من عمق القلب، كأن شيئًا انتُزع منها فجأة. لم يكن بكاء خبر، بل بكاء عمر، وبكاء سند، وبكاء أبٍ رحل دون وداع.
شعرت أنني كبرت عشر سنوات في لحظة واحدة. كان دوري أن أكون الجدار الذي تستند عليه أمي، حتى وأنا أرتجف وأحتاج للبكاء، لكن لا سبيل لذلك. صوت بكائها لم يفارق أذني. كان يطاردني في صمتي، وفي محاولتي للنوم، وفي كل مرة أغمض فيها عيني. أدركت حينها أن الفقد لا يؤلم فقط لأن شخصًا رحل، بل لأنه يكسّر من نحب أمام أعيننا، ولا نملك لهم شيئًا سوى الاحتواء.
مرت الأشهر، ولم يلتئم الجرح، ثم جاء الفقد الثاني: صديقتي المها، قبل اختباري النهائي للترم بثلاثة أيام. رحيلها لم يكن مجرد فقد صديقة، شعرت أن شيئًا كبيرًا انتُزع من قلبي. بل فقد جزء من الأمان، من الضحكة، من الأيام البسيطة التي كنا نظن أنها ستدوم. العزاء مرّ جسديًا، أما عقلي فكان غائبًا، أراقب الوجوه وأردد كلمات محفوظة، بينما داخلي فراغ كامل. كل شيء امتزج، كل شيء آلم، وكل يوم كنت أتساءل كيف يمكن للإنسان أن يتحمّل كل هذا دفعةً واحدة.
الفقد جعلني أحيانًا أضعف، أبكي بلا سبب، أخاف بلا مبرر، وأتخيل أفكارًا موجعة. لكنه أيضًا علّمني الصبر، وقيمة التحمل، وأن الله يختبرنا ليزرع فينا قوة قد لا ندركها. تغيّرت علاقتي بأهلي، صرت أقرب لأبي، ابحث عن الطأنينة. أخشى فقد أحبائي، وأحسب ألف حساب لكلماتي مع أمي. أما دراستي، رغم أن التخصص لم يكن حلمي، شعرت براحة غريبة، وكأن الله يقول: «هنا مكانك الآن».
الفقد موجع، لكنه يعلّم. يكسّرنا ليعيد بناءنا أقوى، نسأل الله أن يرحم من فقدنا، ويملأ قلوبنا بالسكينة، ويحفظ أحبّتنا، ويرزقنا الفرح بعد الألم، ويجعل كل فقد رحمة وخيرًا لنا في الدنيا والآخرة.
[email protected]



