وتعزز حماية الطبيعة المكونات والناء البيئي وتعد المحميات الملكية حصناً منيعاً للبيئة السعودية، حيث تهدف إلى إعادة وتأهيل النظم البيئية الطبيعية المتدهورة، والحفاظ على التنوع الأحيائي من بيئات طبيعية متنوعة من الصحاري والجبال إلى الوديان والهضاب، مما يوفر موائل آمنة للعديد من الأنواع الفطرية الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض. وقد عملت المحميات برؤية واضحة على أن الهدف الأسمى من الحماية ليس مجرد المنع، بل لاستدامة الاستخدام، وإدارة الموارد الطبيعية، فمن خلال برامج إعادة التوطين الصارمة للحيوانات والنباتات المحلية، ومكافحة الصيد الجائر والاحتطاب، والحد من الرعي الجائر، تسهم المحميات في استعادة التوازن البيئي لضمان استمرارية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. كما تعمل على زيادة الغطاء النباتي مما يساهم بشكل مباشر في جهود مكافحة التصحر والحد من انبعاثات الكربون، لتكون بذلك جزءًا فاعلاً من مبادرة السعودية الخضراء.
ويمثل العمل في المحميات الملكية نموذجاً متقدماً للإدارة المتكاملة للموارد الطبيعية، متجاوزا مفهوم الحماية التقليدية بالمنع والتشبيك، لتتأسس على أربعة محاور مترابطة البُعد العلمي الدقيق، البُعد البيئي الحيوي، البُعد الاقتصادي المستدام، وشراكة المجتمعات المحلية. هذا التكامل يضمن استدامة الموارد ويعزز التنمية الشاملة، انسجاماً مع مستهدفات رؤية 2030.
فالبُعد العلمي يعمل من خلال هندسة للنظم الحيوية حيث تُدار المحميات الملكية كـ «مختبرات حية ضخمة»، وفيها يشكل البحث العلمي الركيزة الأساسية لاتخاذ القرار، من خلال استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية «GIS» لرصد التغيرات الدقيقة في الغطاء النباتي والموائل، مما يوفر بيانات مكانية وزمنية حيوية لتوجيه جهود الحماية، وعلى مستوى البيولوجيا الجزيئية، تُطبق تقنيات متقدمة مثل التسلسل الجيني «DNA Sequencing»، لتقييم الصحة الوراثية للمجموعات الحيوانية المهددة، مثل المها والريم وكل كائن فطري كان متواجد في كل محمية ذات ميزة نسبية لمكانها وموقعها، حيث تشمل البرامج تحليل يضمن أن برامج الإكثار وإعادة التوطين تعتمد على مخزون وراثي متنوع وقادر على التكيف مع التحديات البيئية، مما يحقق أعلى كفاءة لـ «علم البيئة الترميمي».
بينما يمثل البُعد البيئي رسم خارطة طريق لاستعادة التوازن الأحيائي من خلال تعزيز التنوع الأحيائي، والنظم الحيوية المتدهورة، حيث تعمل إدارة المحميات على تنفيذ خطط صارمة لمكافحة الصيد الجائر، والاحتطاب، وإدارة الرعي بمهنية علمية عالية، مما يتيح الفرصة لإعادة تأهيل الغطاء النباتي الطبيعي، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة قدرة البيئة على عزل ثاني أكسيد الكربون «Carbon Sequestration» والمساهمة في جهود مكافحة التصحر، ودعم مبادرة السعودية الخضراء. كما يتم التركيز على حماية الموارد المائية الجوفية والحفاظ على التوازن الهيدرولوجي الحيوي لاستمرارية الأنظمة البيئية الصحراوية.
في يأتي دور البُعد الاقتصادي في انشاء المحميات الملكية وادارتها الى هدف واضح من خلال العمل على أن تكون رافداً اقتصادياً جديداً ومستداماً، بعيداً عن الأنشطة الاقتصادية التقليدية، حيث يُعد الاستثمار في تطوير السياحة البيئية المتخصصة «Ecotourism» محوراً رئيسياً، ويتم من خلاله تقديم تجارب سياحية قائمة على التفسير البيئي والعلمي، ليجعله ذا قيمة جذب لشريحة سياحية ذات وعي وإنفاق مقتدر، ويعكف مسيري الإدارة والتخطيط الاستراتيجي في المحميات على أن تكون مراكز للأبحاث والشراكات الدولية، مما يدر دخلاً من المنح البحثية ويخلق فرصاً في مجالات التقنية الحيوية من خلال حفظ واستغلال الأصول الوراثية للنباتات والحيوانات المحلية، وقد يُسهم نجاح برامج إعادة التأهيل البيئي في توليد إيرادات من بيع وحدات ائتمان الكربون «Selling Carbon Credit Units».
وتعمل المحميات الملكية والطبيعية على أن يكون العمل له خلفية شمولية مستدام الإدارة من خلال إشراك المجتمعات المحلية وتنميتها، حيث يُعد إشراك المجتمعات المحلية المحيطة ركيزة أساسية لضمان استدامة المحميات، والعمل على تحويل السكان المحليين من مستهلكين للموارد إلى شركاء، ومحافظين عبر خلق فرص عمل مستدامة في مجالات الأمن البيئي، والإرشاد البيئي، وإدارة المنشآت، مع تزويدهم بالتدريب على مهارات الضيافة والسياحة البيئية، وإدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يسمح بإنشاء نزل بيئية ومشاريع حرفية تخدم السياح، وبالتالي تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناطقهم، وكذلك إدارة المراعي بحكمة وأسلوب علمي يراعي الحمولة الرعوية، وتجنب وقت الازهار حتى طرح البذور، ودعم مربي النحل واستخراج العسل، والتشارك في عملية التسويق، هذا النموذج التشاركي يضمن أن الحماية البيئية تخدم المصالح المعيشية للسكان، مما يخلق وعياً مجتمعياً راسخاً بأهمية صون هذه الثروات الوطنية.
- أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود -
[email protected]



