فقد تلقّت دعوة للمشاركة في ورشة متخصصة لرفع جودة منتجاتها وتطوير تصاميم جديدة تجمع بين التراث والذوق الحديث. لم تكن تتوقع أن يجد عملها كل هذا الإقبال. تقول بابتسامة:
«قبل تلك الورشة كنت أحوك لأنني أحب السدو، اليوم أحوك لأن هناك من ينتظر عملي ويقدّره.» وبفضل الله ثم ما اطلعت عليه خلال الورشة، بدأت «أم فهد» تبيع منتجاتها عبر الإنترنت، ووصلت قطعها إلى زبائن في مدن لم تطأها قدمها قط. وفي كل مرة تتلقى فيها رسالة إعجاب بعملها، والأجمل من ذلك أن ابنتها الصغيرة، التي لم تكن تهتم بالحياكة من قبل، بدأت تتعلم معها، لتصبح هذه الحرفة جسرًا يربط بين جيلين داخل العائلة نفسها. وتختتم «أم فهد» حديثها بقولها: السدو ليس مجرد خيوط هو قصتنا، وتلك الورشة أعادت لهذه القصة صوتها.»
في زمنٍ تتسارع فيه خطوات الحداثة وتتغير فيه أنماط الحياة بوتيرة غير مسبوقة، تبرز مبادرة «حرِفثون» بوصفها أحد أهم المشاريع الثقافية والتنموية التي أعادت الاعتبار للحرف اليدوية في القرى التراثية، وربطتها من جديد بروح المجتمع المحلي وهويته الأصيلة. لم يأتِ هذا المشروع من فراغ، بل من حاجة واضحة للمحافظة على موروثٍ يتعرض للتراجع والاندثار، وإحياء اقتصاديات صغيرة كانت يومًا ركيزة حياة الريف السعودي.
وتعتمد المبادرة على فلسفة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته: الهوية ليست في الكتب والمظاهر الاحتفالية فقط، بل في الممارسة اليومية، والحرف التي تمثل ذاكرة المكان وروح الناس. فالحرفيون الذين يعملون في القرى التراثية لم يكونوا مجرد صناع، بل حَمَلة تقاليد متوارثة عبر الأجيال، يعيدون تشكيل المواد الخام بأيديهم، ليصنعوا ما هو جميل وعملي ودالٌّ على ثقافتهم. ومما لا شك فيه أن حرِفثون ستنشط القرى التراثية والتي أصبحت وجهات ثقافية وسياحية في السنوات الأخيرة، حيث أصبح الزائر يعيش تجربة مختلفة؛ حيث يشاهد الحرفيين وهم يمارسون أعمالهم أمامه مباشرة، ويخوض تجربة الشراء في بيئة أصيلة تحاكي الزمن القديم. ومن بين أبرز الحرف التي يمكن أن يتضمنها حرِفثون حياكة السدو، وصناعة الفخار، وصناعة الخوص والنسيج النباتي، والنحت على الخشب وغيرها من الحِرف اليدوية.
ورغم النجاحات الواضحة، إلا أن قطاع الحرف اليدوية لا يزال يواجه عدة تحديات، من أبرزها: منافسة المنتجات المستوردة رخيصة الثمن، وضعف الوعي بقيمة المنتج اليدوي لدى بعض المستهلكين، ونقص المواد الخام المحلية أو ارتفاع أسعارها، وحاجة الحرفيين لمزيد من التدريب في مجالات التصميم والتسويق. وختاماً حرِفثون سيثبت بأن الموروث ليس مجرد حكاية من الماضي، بل فرصة اقتصادية وثقافية يمكن أن تسهم في بناء المستقبل. ومع استمرار الجهود في تطوير القرى التراثية ودعم الحرفيين، تبدو الصورة مشرقة لمستقبل هذا القطاع.
[email protected]


