بصرف النظر عن دقة تفاصيل هذه الطرفة، أو وقوعها أصلا، فهي قصة رمزية.
لكنها موجودة في حياة الناس اليوم فكم في الناس من أمثال أبي العيناء، من ذوي النظرة المثالية للأشياء، الذين يتعبون، ويُتعبون غيرهم، بالبحث عن التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل ورفض كل ما لا يتطابق مع نظرتهم، ولو كان في جزئية صغيرة.
فـ»أبو العيناء» هنا يمثل نموذج الإنسان الذي لا يرضى إلا بما يوافق خياله، فيضع مواصفات يستحيل اجتماعها في الواقع.. وهذا يشبه كثيرًا من الناس اليوم:
من يبحث عن وظيفة «مثالية» لا يوجد فيها تعب ولا مسؤولية.
أو من يريد صديقًا أو شريكًا بلا عيوب.
أو من لا يقدم على مشروع حتى يكتمل كل شيء بنسبة 100٪.
الرمزية في القصة أن الحرص الزائد والمثالية المفرطة قد تُعطل الإنسان عن الفعل، وتجعله يعيش في الوهم أكثر من الواقع.. المثالي يعيش في عالم «المواصفات» لا في عالم «الناس».. يريد وظيفة بلا تعب، وزواجًا بلا تنازلات، وقرارًا بلا مخاطرة.
الحياة ليست معادلة «صح أو خطأ» دائما، الحياة لا تكتمل صورها في الكثير من الأشياء.
الحياة لا تعطي أحدًا كل شيء، والكمال ليس من صفات البشر. والمثالية إن تجاوزت حدّها تحوّلت إلى عائق يمنع الإنسان من الفعل والرضا.
الحياة يا سادة لا تمنح شهادات في «الكمال»، بل درجات في المحاولة، لذا فخفّف معاييرك قليلًا، واسمح للواقع أن يتنفس.
فما أجمل أن نسعى إلى الكمال لكن دون أن نغرق في خيال لا يتحقق، ودون أن نرفض الواقع لأنه لا يطابق الصورة التي في أذهاننا.
وأخيرا.. التوازن مطلوب.. اسع إلى الأفضل لكن كن مرناً واقبل الواقع.
قفلة:قال أبو البندري غفر الله له:
القناعة لا تعني التنازل، بل تعني أن نحسن النظر إلى الممكن، ونصنع من الموجود جمالًا.
[email protected]



