أُدرك مدى صعوبة أن تقف وحدك في وجه العاصفة، خاصّة في مجتمعاتنا التي تمّت برمجتها على عادات وتقاليد وأفكار، صُنع منها جسدٌ له خُوار، فعبدته، وأُهين الخارج عنها حتى الموت. لكنّ الأصعب -في رأيي- أن نغدو نُسَخًا مكرّرة، بأفكارٍ ثابتة متحجّرة لا تقبل التبديل أو التغيير. وليت منبعها ديننا الحنيف، بل هي أفكارٌ توارثتها الأجيال دون تفكّر في نفعها. ولو بحثتَ عمّن وضعها، لوجدته إنسانًا، مجرّد إنسانٍ مثلي ومثلك، لكنه تميّز بسطوته أو جبروته، أو ربما بحكمته، وفقًا لزمانٍ غابرٍ انتهى ومات.
حتى أحكامنا على بعضنا البعض جاءت بناءً على تلك الأفكار. فكم من فتاة مات حلمها بتكوين أسرةٍ وحياة لأن شخصًا ما في أسرتها قرر أن بنات الأسرة لا يتزوجن من خارجها، وكم من شابٍ تدمرت أحلامه في صناعة هويته ومستقبله لأنه يجب أن يكون نسخةً مكررة من والده الطبيب أو المهندس.
حتى من حاول كسر تلك القوالب والتمرّد عليها من الجيل الجديد، وضع نفسه -للأسف- في قوالب أضيق، حيث للقطيع الجديد قوانين، سنّتها المظاهر التي فرضتها علينا الحداثة. فيجب على أبنائنا أن يتقنوا اللغة الإنجليزية، حتى لو كان الثمن أن يجهلوا العربية، أو أن نفقد لغةً مشتركة معهم. فنحن –في غالبيتنا– لا نتقن الإنجليزية، وإن أتقنها بعضنا، فلم يتقنها آباؤنا، وهنا تنقطع الصلة بين الأجيال. كلّ ذلك كي يحكم علينا المجتمع بالرقي.
أما التسوّق فحدث و لا حرج فقد تحوّل من احتياج إلى رفاهية، فشراء الملابس والاحتياجات أصبح «الترند»، بغضّ النظر عن مدى ملاءمته لنا. حتى الألفاظ تغيّرت، وظهرت مصطلحات لم نعهدها من قبل، مثل «التنمّر»، الذي صار الجمرة التي يُرمى بها كلّ من يخالف الترند أو يعترض عليه.
ومن المؤسف أنّ نمط الحياة الجديد فرض علينا أمراضًا لم نسمع بها من قبل، مثل «فرط الحركة وتشتّت الانتباه»، وهو مصطلح مطّاط –وأعي طبعًا أن الحالة مرضيّة لدى بعض الأطفال– لكن من الظلم أن نلصقه بكلّ طفلٍ طبيعيٍّ بحاجةٍ للعب وتفريغ طاقاته، في عصرٍ يرفض احتياجاته. فالمنازل اليوم أشبه بعلب مغلقة لا مجال فيها للحركة واللعب، وأغلب الأطفال يقضون الساعات الطوال خلف شاشات لا تجلب لهم إلا الدمار.
حكمنا على المختلف بالمرض، ولم نسأل أنفسنا: لماذا لم يتفشَّ هذا «المرض» في أجدادنا وآبائنا؟ حين كانت فضاءاتهم فسيحة، والدنيا تحتضنهم بصخبهم، وشوارعها لم تضق عليهم يومًا.
أخيرًا، أتمنى أن يكون كلّ ما نمرّ به مجرّد «ترند» وينتهي، ليأتي جيلٌ يحدّد احتياجاته بوعيٍ كامل، وإرادةٍ خالصة، بعيدًا عن القوالب المتحجّرة القادمة من أزمنةٍ ساحقة، أو القوالب الحديثة التي حُشر فيها تحت مسمّى الحداثة، وهي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
[email protected]



