@SaudAlgosaibi
- الزراعة شيء من الحياة؛ لأن منها نقتات ومنها نستمد قوتنا وصحتنا وعافيتنا. إلا ومن جميع نباتات الأرض نرى بالنخلة التميّز ونشعر بأنها سيدة النباتات وملكتهم، ولمَ لا! فقد كرّمت بالقرآن الكريم وميّزت عن غيرها بتفصيل أجزائها واستنباط الحكمة منها كما مع ليفها ونواتها. كما كرّمت أن جاء منها معجزة إلهية بهزها وتساقط التمر منها وهي قوية لا تهز. وقد لانت لمريم «عليها السلام»، وكانت أول قوتها بعد ولادتها لعيسى «عليه السلام». وفي العالم القديم اتخذ منها الدلمونيون والسومريون والبابليون شعارات لهم في أختامهم ونقوشهم. كما اتخذ منها الفينيقيون شعارا لهم وميّزوها رغم اتساع تجارتهم بزيت الزيتون بترول زمانهم ووقوده، كما اتخذته دولتنا شعارا لها لما تستحقه من تكريم، فأصلها ثابت يعانق الأرض كما نحن، وفرعها في السماء يسمو فيتطلع إلى عنان الخيال، وإلى ما هو أفضل، وهي تذكرنا بمعجزات الرحمن، ومنه وعطاؤه وإحسانه علينا.
- والنخلة عبر التاريخ كانت تمثل الحياة بكل معانيها فمن أجزائها كانت تكسى المنازل وتشيد. ومنها كانت تجهيزات المنازل والأدوات والمستلزمات. ومنها كان أوائل الفاكهة التي عرفها الإنسان. ولكي نتتبع تاريخ النخلة، فقد اختلفت الآراء حول موطنها الأصلي بأسباب انتشارها الواسع وتنوع فصائلها بين المثمر وغير المثمر وبين الصغير والكبير. فبعض أنواع النخيل جاء تواجده القديم في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية الممتدة من الباكستان شرقا وحتى جزر الكناري على المحيط الأطلسي غربا، وعند خط الاستواء كجنوب أفريقيا وأستراليا والأمريكتين وأجزاء من جنوب أوروبا، إلا أن هناك شبه إجماع بين العلماء أن موطن صنف نخيل التمر هو الخليج العربي. فالدلائل المتوافرة تشير إلى منطقتين زراعيتين من حيث وفرة الينابيع والبحيرات والأنهار القديمة وهما منطقتا الأحساء والقطيف.
- وتشير أيضًا المصادر التاريخية إلى أن البدايات لانتشار نخيل التمر جاءت ببلاد الرافدين (العراق)؛ حيث بدأت زراعته نحو 4000 ق.م. حيث طوَّر البابليون طرق غرس النخيل على ضفاف الفرات، ووصفوا نحو عشرين صنفا منها بفوائدها المفضلة. وكان التمر عندهم يتصف بما لا يقل عن نحو 365 فائدة منها لعلاج الرضوض والأورام والدمامل والقروح. كما وجدت قطع طينية أثرية من تلك الفترة الزمنية تشير إلى عملية التلقيح، ومن تصنيف للنخيل حسب الجنس جاء فيها تسمية الذكر فحلا والأنثى نخلة، كما عثر بالعراق بالإضافة على لوحة أثرية مسجل عليها طريقة التلقيح الصناعي، ومما يؤكد أهمية النخل القديم ببلاد الرافدين ما ورد في شريعة حمورابي التي نصّت على حمايته وتحديد طرق غرسه وتلقيحه.
- كما عرفت النخلة في سوريا بمدينة (ماري) القديمة؛ حيث زرعت نخلة التمر وبكثرة في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، وقد ترك لنا أصحابها من العموريين سكان هذه المدينة وما حولها آثارا فنية كثيرة دالة عليها. وكانت النخلة مقدسة لدى التدمريين أيضًا، ومن أهميتها لديهم أن جعلوا منها اسمًا لمدينة تدمر فهي تحريف لـ (تاد مور) أي بلد النخيل. كما جاء اهتمام الفينيقيين بها نشروا زراعتها في لبنان، خصوصا بمدن صور وصيدا التي نعتت من قبل الإغريق والرومان باسم بلاد النخيل. كما ذكر مؤرخو الرومان في القرن الأول الميلادي عن وجود بساتين نخيل التمر في أريحا وحول بحيرة طبريا وعلى جبل الزيتون من فلسطين.
- أما في مصر القديمة حوالي 3000-2000 ق.م، فقد اعتمدت الحضارة المصرية القديمة عليها في معيشتهم. دلالة ذلك ما عثر عليه علماء الآثار في مصر من عدد من التمور في قبر توت عنخ آمون ذي الشهرة الواسعة، كما اعتبر الفراعنة النخيل رمزا للحياة الطويلة.
النخلة معطاء، وهي نبض لا يتوقف فكل يوم يكتشف العلماء شيئا جديدا عنها وعن تمورها، وما زالت تمدُّنا بالعطاء وروح البحث والاكتشاف.



