ذكر الخطيب البغدادي في كتابه البخلاء قال: حَدَّثَنَا الأصمعي، قَالَ: «قالت امرأة مدنية لزوجها: اشتر لي رطبًا، قَالَ لها وكيف يُباع الرطب؟ قالت: كيلجة بدرهم، فقال: واللَّه لو وأنت تمخضين بعيسى ما ينتظر إلا خرج الدجال أن تلديه فيقتل الدجال، ثم لم تلديه حتى تأكلي رطبًا، ما اشتريته لك، كيلجة بدرهم؟!»
لا أعتقد أن صاحب «الكيلجة بدرهم» يرى نفسه بخيلاً يفعل فعلاً معيباً حين وضع هذه الشروط التعجيزية، فهو يرى أنه اقتصادي وتربوي يضع سياسة اقتصادية حازمة في بيته، ومع شديد الأسف فأتباعه ما زالوا يتواجدون ويتكاثرون في كل زمان ومكان.
لا أحد لديه تحفظ على السياسات الاقتصادية، ولا أحد يريد أن يُعطى كل شخص في البيت ما اشتهى، فهذه مفسدة أي مفسدة، ولكن أيضاً يجب أن تكون السياسات الاقتصادية في البيت مبنية على أسس واقعية ومنطقية، حتى لا تؤدي إلى ما لا تُحمد عقباه، فكما أن المبالغة في تنفيذ الطلبات تدمر أهل البيت، فالبخل أيضاً يدمر ويفسد.
في الحديث الشريف يقول رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم»: «ثلاثة يبغضهم الله: مَلَكٌ كذَّاب، وعائل مستكبر، وغني بخيل»، ويقول «صلى الله عليه وسلم»: «خَصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق»، وقال أبو الحسن الماوردي: «قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة، وإن كان ذريعةً إلى كل مذمة، أربعة أخلاق، ناهيك بها ذمًّا؛ وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق... وإذا آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة، والشيم اللئيمة، لم يبقَ معه خير مرجوّ، ولا صلاح مأمول».
وحتى نعيد الأمور إلى نصابها، ونفرق بين الرجل الاقتصادي الحكيم الذي ينفق حسب وضعه، والبخيل الذي يمنع وهو قادر، يمكننا بكل بساطة تعريف البخيل وعرض أنفسنا وسياساتنا عليه وبذلك تنتهي الإشكاليات.
لقد عرّف العلماء البخيل بأنه مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يُسمّ بخيلاً، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله، كما ذكر ابن القيم، وعرّف الغزالي البخيل بأنه الذي يمنع حيث ينبغي ألا يمنع، إما بحكم الشرع أو بحكم المروءة، وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره.
احذر أن تكون بخيلاً، ستخسر مَن تحب وتموت وتترك ما بخلت به.



