وقد انتشرت في حقب منفرطة بين العديد من أساطين الأدب بحكم أنها قبل ظهور وسائل الاتصال السريعة تمثل الوسيلة المتاحة لنقل المشاعر والأحاسيس بين مستخدميها، وقد زخرت بمواقف أدبية ثرَّة لها مدلولاتها الفكرية غير الخافية عن أنظار القراء والنقاد على حدٍّ سواء، وقد اشتهر بعض الأدباء على مر العصور بهذا اللون من الأدب مثل أبي منصور الثعالبي، وأبي الفضل بين العميد، وبديع الزمان الهمداني، والصاحب بن عباد، وأبي العباس الصابي الخوارزمي، وحمزة فتح الله، ومحمد عبده، وحفني ناصف، وغيرهم، ومن أمثلة تلك الرسائل الملتهبة بالشوق ما كتبه الثعالبي لأحد أترابه «شوقي إليك رهين قلبي وقرين صدري والزعيم بتعلل فكري وتفريق صبري، وسمير ذكري، ونديم فكري، وزادي في سفري وعتادي في حضري، لا يستقل به صدري، ولا يتعدى عليه صبري، يكاد يكون لزامًا، ويُعدّ غرامًا لا يرحل مقيمه، ولا يصرف غريمه، استخف نفسي واستفزها وحرَّك جوانحي وهواها شوق أخذ بمسمع خاطري وبصره، وحال بين مورد قلبي ومصدره، شوق قد استنفد جلدي وملك خلدي».
والنماذج على تلك الرسائل الأدبية قد لا تستوعبها مساحة هذه الزاوية لكثرتها، غير أنها أصبحت بعد تطور عمليات الاتصال وتطور عمليات التواصل الثقافي والعلمي أثرًا بعد عين، ولا تُذكر إلا لمجرد التذكير بها وبأجيالها المنفرطة، فما حدث من تطور تقني أدى إلى اختفاء تلك الرسائل ذات الجُمل والألفاظ والعبارات المنتقاة، رغم أن عُشاق الأدب يقتنصون الفرص أحيانًا فيدبّجون بعض الرسائل بطريقة «عصرية»، إن جاز القول، وبأساليب مألوفة مختلفة تمامًا عن تلك التي درج عليها القدماء.
[email protected]



