hana_maki00@
تواجه السياسة النقدية في العالم اختبارا صعبا للغاية، ففي الأزمات المشابهة تاريخيا لما يحدث الآن على المستوى الاقتصادي، يكون الوضع بعد رفع نسب الفائدة القياسي، الذي قامت به المصارف المركزية العالمية لمكافحة التضخم، بإبطاء عملية الشراء وتقليل ضخ السيولة في السوق، ولكن الوضع مختلف اليوم.
ففي تقرير حديث لصندوق النقد الدولي يؤكد أنه ونتيجة لارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية على السندات الحكومية، حدث ارتفاع أكبر في تكاليف الاقتراض بالنسبة للمستهلكين ومؤسسات الأعمال، وساهم في حدوث انخفاض حاد في أسعار الأسهم عالميا. ويبدو أن الرؤية النمطية لكل من البنوك المركزية والأسواق تستشرف كفاية هذا التشديد للأوضاع المالية من أجل تخفيض التضخم إلى المستويات المستهدفة بسرعة نسبية.
غير أننا نلاحظ أن تلك السياسات النقدية، التي كانت تتدرج في وضع تنبؤات واقعية تبدأ برفع سعر الفائدة، لوقف التضخم من خلال مفعول «تنشيف» السوق وتقليل السيولة، لتصاب الأسواق بالانكماش، ثم الركود، وقد يتحول إلى الكساد، ولكن إذا وصل إلى حد الانكماش يكون مفعول رفع أسعار الفائدة قد نجح، ليدحر التضخم ويعيد التوازن في السوق، فتنخفض الأسعار ثم تنتعش الأسواق شيئا فشيئا، هذه التنبؤات باتت أكثر ضبابية.
فالأمر قد اختلف في وقتنا الحالي، ونلاحظ أن رفع سعر الفائدة المتلاحق في بعض المصارف قد بات تاريخيا، ولكنه دون جدوى، فحركة الاستهلاك تتباطأ ولكنها لم تنخفض. وعليه فإن السياسات النقدية في وقتنا الراهن قد أصبحت ضعيفة وغير مجدية في هذا الشأن، فسعر الفائدة الذي ترفعه المصارف المركزية بكل جهدها واضعة المصلحة العامة أولا، لم يستطع كبح جماح الاستهلاك والشراهة، التي تغزو العالم في مرحلة مدهشة ومتقدمة من التغيرات الاقتصادية، التي ليس لها شبيه.
ووفق تقرير لـ «سي إن بي سي» الأمريكية نشر الخميس، يؤكد أن نسبة التضخم ارتفعت في الولايات المتحدة إلى 8.3 % حتى أغسطس الجاري، بالمقابل زادت مبيعات التجزئة بنسبة 9.3 %، وعلى الرغم من بوادر أزمة طاقة في الأفق فإن التقرير رصد ارتفاعا للمبيعات في تجارة السيارات وقطع غيارها بنسبة 2.8 %، مما ساعد بتعويض التراجع بنسبة 4.2 % في محطات الوقود، كما ارتفعت مبيعات الحانات والمطاعم بنسبة 1.1 %. كما أكدت مجلة المراقب التجاري الأمريكية (المتخصصة بالعقارات) أن الصفقات العقارية منتعشة وحتى منتصف العام الجاري سجلت ولاية فلوريدا صفقات بلغت 5 مليارات دولار، ولم تتأثر برفع سعر الفائدة، كما أن هناك ارتفاعا على الإيجارات.
نلاحظ كيف أن السوق الأمريكي الأكثر عرضة لأزمة مالية ورغم رفع متتالٍ لسعر الفائدة، إلا أن السوق الاستهلاكية لا تزال نشطة والإنفاق العام منتعش مع دخول موسم الأعياد، ووفقا لدراسة أجرتها ماكنزي لسلوكيات المستهلك الأمريكي نشرت هذا الشهر أكدت ارتفاع نسبة الإنفاق الأمريكية في ظل التضخم الكبير، وأبدى المشاركون في الدراسة ثقتهم في تجاوز الأزمة وسلبياتها سريعا، ويبدو أن هذا الأمر هو ما يجعل سلوكياتهم بهذا الاستهتار في الإنفاق بالذات على السلع والخدمات الثانوية، التي تشهد نسبة تضخم كبيرة، وهو أمر غير متوقع في مثل هذه الحالات، ويفاقم المشكلة ويطيل عمرها.



