تتسم الدبلوماسية السعودية بالشفافية والثقل والتأثير على المنطقة ودول العالم، إذ تحرص المملكة على الالتزام بالأعراف والقوانين الدولية التي تحكم تعاملاتها وعلاقاتها بدول العالم في السلم والحرب، كما حرصت الرياض على التفاعل مع المجتمع الدولي بإقامة وشائج مع الدول الكبرى بحكم المصلحة المشتركة.
وتميزت تلك الدبلوماسية منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بمبادئ ثابتة قوامها المصداقية والوضوح وإرساء السلم، وتغليب المصالح العامة للدول والشعوب، والبعد عن التصعيد الإعلامي والعسكري والإيمان التام بأن طاولة الحوار هي المكان الأنسب لمعالجة الأزمات.
حرص وتأسيس
وحرصًا على دعم الوحدة العربية والخليجية والإسلامية كانت المملكة من الأعضاء المؤسسين لـ«جامعة الدول العربية» في مارس 1945، كما أنشأت «رابطة العالم الإسلامي» في مكة المكرمة عام 1961 في عهد الملك سعود -طيب الله ثراه- و«منظمة المؤتمر الإسلامي» في جدة عام 1969 بعهد الملك فيصل -طيب الله ثراه-، وأعلنت المملكة عن تأسيس «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -طيب الله ثراه- عام 1981. ولم يقتصر دور هذه الدبلوماسية على معالجة ما يخص علاقات المملكة الخارجية، بل امتد للقيام بدور مؤثر وحيوي في حل الكثير من القضايا العربية والإسلامية والعالمية من خلال النهج، الذي رسمه حكام هذه البلاد عبر سنوات طويلة.
ويمكننا رصد التأثير الكبير لدبلوماسية المملكة في تجنيب المنطقة الكثير من الكوارث السياسية والعسكرية، ويسجل التاريخ والمنظمات الدولية في هذا الميدان شهادة نجاح للقيادة السعودية في التعامل السلس مع جميع القضايا الثنائية، بالإضافة إلى الدخول كوسيط محايد يسعى بكل إمكاناته لحل المشكلات بين الدول بعضها بعضًا، بل وبين الجماعات المتنازعة داخل الدول نفسها، وذلك نتيجة الثقة التي حظيت بها الرياض من دول العالم عبر نجاحاتها الدبلوماسية المتواصلة.
السند الخليجيووقفت المملكة موقف السند والجار والأخ الأكبر للدول الخليجية، إذ وقفت دائمًا مع وحدتها وسيادتها، وربطت مصيرها بمصير دولة الكويت الشقيقة في أثناء الاجتياح العراقي لأراضيها عام 1990، فكان للملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- مقولته الشهيرة «يا ترجع الكويت يا تروح السعودية معها»، فسخرت المملكة جندها وجيشها وأموالها لتحرير الكويت، وفتحت أبوابها لاستقبال الكويتيين على أراضيها.
وفي 2011، جاء رد سفير المملكة في واشنطن حينها، عادل الجبير، على طلب هيلاري كلينتون توضيحات عن دخول قوات «درع الجزيرة» للبحرين، ووقتها أعلمها أن قوات «درع الجزيرة» أصبحت بالفعل فوق الجسر الذي يربط السعودية بالبحرين، فكان الرد السعودي مجسدًا وحدة النسيج الخليجي.
وجاءت «عاصفة الحزم» في 2015، تلبية لنداء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، لحماية أراضي بلاده من المتمردين الحوثيين، الذين أصبحوا على وشك الاستيلاء على مدينة عدن، حينها جاءت توجيهات كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ببدء غارات جوية على مواقع عسكرية تسيطر عليها ميليشيا الحوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ضمن تحالف خليجي عربي لحماية الشرعية في اليمن.
وقادت المملكة محاولات عدة للتوصل لحل سياسي في اليمن منها «اتفاق الرياض» في عام 2019، ومؤخرًا إنشاء «المجلس الرئاسي اليمني»، كطريق لبناء مكون سياسي قوي وموحد في مواجهة الحوثي سياسيًّا وعسكريًّا حال رفضه الانخراط بالحلول السياسية، وكوسيلة للضغط عليه.
دعم عربيوفي 2021، ساهمت المملكة في تعزيز الاستثمار في المجالات الاقتصادية في جمهورية العراق من خلال تأسيس صندوق سعودي - عراقي مشترك يقدر رأس ماله بثلاثة مليارات دولار. كما كان للمملكة الدور الأبرز في توحيد الصف اللبناني وإنهاء الحرب الأهلية عبر اتفاق الطائف عام 1989 منهية بذلك حربًا دامت لأكثر من خمسة عشر عاما، وتواصل الدعم السعودي للبنان، إذ وثق تقرير دولي أن حجم المساعدات التي قدمتها المملكة لبيروت خلال الفترة الواقعة بين عامي 1990 و2015، يناهز الـ 70 مليار دولار، فضلا عن المشاركة في حصة كبيرة من إعادة إعمار ما هدمته الاعتداءات الإسرائيلية.
وحرصًا من المملكة على أن يكون السودان بعيدًا كل البعد عن مؤشرات الألم والجوع والضيق، ظلت طيلة عقود تدعمه، إذ قدمت مليارات منذ 2016 حتى 2019 لحكومة الرئيس المخلوع، عمر البشير، إلا أنها للأسف لم تنعكس لا شكلًا ولا مضمونًا على الواقع المعيشي للشعب السوداني، وجاء التأييد السعودي لما ارتأه الشعب السوداني الشقيق حيال مستقبله بعد إسقاط حكومة نظام الإنقاذ في 2019، إيمانًا منها بحق السودانيين في العيش تحت ظل حكومة رشيدة تؤمن له حياة كريمة.
وفي جدة 2018، وبرعاية من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وقّعت إثيوبيا وإريتريا معاهدة سلام منهية الحرب الأفريقية الأطول، والممتدة لعشرين عامًا، وعودة المياه لمجاريها بين الشعبين، وإعادة فتح الموانئ وتبادل الزيارات الرسمية. ولتأمين حركة الملاحة البحرية العالمية، أسست المملكة في 2018، كيانًا جامعًا لـ«الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن»، يضم كلًّا من السعودية ومصر واليمن والسودان وجيبوتي والصومال والأردن وإريتريا.
القضية الفلسطينيةومهما تغيرت المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، يبقى الموقف السعودي ثابتًا وراسخًا منذ أكثر من 90 عامًا، بداية من مؤتمر لندن 1935، الذي حضره الأميران -حينها- فيصل وخالد، ضمن الوفد العربي الذي رفض الجلوس مع الوفد اليهودي في نفس الغرفة، وامتد دورها الواضح في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتحقيق طموحاته لبناء دولته المستقلة، في سعيها لتوحيد الصف الفلسطيني من خلال حل الخلاف بين حركة فتح وحركة حماس في «اتفاق مكة» 2007.
وشدد البيان الذي اتفقت عليه الحركتان حينها، على «التأكيد على تحريم الدم الفلسطيني واتخاذ الإجراءات والترتيبات، التي تحول دون إراقته مع التأكيد على الوحدة الوطنية الفلسطينية»، إضافة إلى «اعتماد لغة الحوار كسبيل وحيد لحل الخلافات». كما شهدت مدينة الظهران بالمنطقة الشرقية في عام 2018، إطلاق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- اسم «قمة القدس» على القمة العربية تأكيدًا على أن فلسطين هي القضية الأولى والأهم للمملكة والعرب.
وأكد إعلان «قمة القدس» المقامة في الظهران، على مركزية القضية الفلسطينية، مشددًا على «بطلان وعدم شرعية القرار الأمريكي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل»، داعيًا إلى أهمية تعزيز العمل العربي المشترك المبني على منهجية واضحة وأسس متينة تحمي الأمة العربية من الأخطار المحدقة بها وتصون الأمن والاستقرار.
وإيمانًا من المملكة بأن جهودها من أجل فلسطين تمثل واجبًا تفرضه عقيدتها وضميرها وانتماؤها إلى أمتيها العربية والإسلامية، تبنت جميع القرارات الصادرة عن المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وبالإضافة إلى ذلك تساهم المملكة في العديد من المؤتمرات والاجتماعات المتعلقة بحل القضية الفلسطينية عبر محطات من أبرزها «مؤتمر مدريد» إلى خريطة الطريق، ومبادرة «السلام العربية»، التي اقترحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- واعتمدتها الدول العربية موحدة كمشروع بـ«قمة بيروت» في مارس 2002 لحل الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يوفر الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة.