كان الاهتمام بالصحة العامة ومكافحة الأمراض من أولويات الحكومة السعودية منذ البدايات الأولى لتوحيد المملكة، وبناء الدولة السعودية الحديثة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - يرحمه الله -. وقد بدأت المسيرة الصحية في المملكة أولى خطواتها المنظمة عندما سعى الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - إلى التركيز على الصحة العامة، والعمل على تطويرها، و دفع نموها إلى الأمام، وهو ما تزامن مع دخوله الحجاز، واتخاذ مكة المكرمة عاصمة أولى لتوحيد بقية مناطق المملكة.
الاستعانة بالخبرات
كان من أهم الخطوات الصحية التي اتخذت في تلك الفترة زيادة حجم التعاون مع المنظمات العالمية، والاستعانة بالخبرات الأجنبية عالية الكفاءة؛ للتعرف على التطورات الحاصلة في القطاع، مع السعي وبذل كل الجهود لمواكبتها من خلال توطين الكفاءات، ووضع اللبنات الأولى لقطاع صحي متكامل يشمل - فيما بعد - كل مناطق المملكة مترامية الأطراف.
تطوير القطاع
وجاء الأمر السامي الكريم من جلالة الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - بإنشاء مصلحة الصحة العامة عام 1343هـ/1925م ومقرها مكة المكرمة، على أن تكون لها فروع أخرى في شتى المناطق. وبعد فترة وجيزة وتحديدًا في 27 /8 / 1344هـ الموافق عام 1925م أصدر الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - أمره بإنشاء مديرية الصحة العامة والإسعاف، بهدف الاهتمام بشؤون الصحة والبيئة، والعمل على إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في جميع أنحاء المملكة، وما واكبه من إصدار اللوائح التنظيمية؛ لضمان ممارسة مهنة الطب والصيدلة، وفق عدد من الضوابط والمعايير التي أسهمت في تحسين قطاع الصحة وتطويره في المملكة، إلاّ أن الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة حتى عام 1360هـ الموافق عام 1941م كانت محدودة في البداية، ثم توسعت تدريجياً حتى عام 1365هـ الموافق عام 1945م، حيث أصبح لمديرية الصحة العامة ميزانية تتزايد باستمرار.
جهاز متخصص
في تلك الفترة، كان من الضروري إنشاء جهاز متخصص يتولى الإشراف الكامل على الشؤون الصحية بالمملكة؛ وبالفعل صدر المرسوم الملكي 26/8/1370هـ/1951م رقم 5/11/8697 القاضي بإنشاء وزارة الصحة، وبذلك شهدت نشأة الوزارة تطورات كبيرة كانت بمنزلة علامات بارزة على طريق النهوض بالقطاع الصحي وتحقيق طموحات جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - يرحمه الله.
هيئة إشرافية
ونظرًا لتزايد الخدمات الصحية المقدمة في تلك الفترة في جميع أنحاء المملكة، إلى جانب ما يتم تقديمه من خدمات صحية لحجاج وعُمار بيت الله الحرام، وبعد أن زادت أعداد المستشفيات والمراكز الصحية بصورة ملحوظة، جاء إنشاء المجلس الصحي العام كأعلى هيئة إشرافية في البلاد. بهدف الاهتمام بشؤون الصحة والبيئة، والعمل على إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في جميع أنحاء المملكة، وواكب ذلك إصدار اللوائح التنظيمية؛ لضمان ممارسة مهنة الطب والصيدلة، والاهتمام بتدريب الكوادر الطبية المهنية، وإعداد البرامج التوعوية والوقائية، والإشراف على صحة الحجاج، حتى تجاوز نطاق عمل المديرية حدود مكة المكرمة ليشمل كافة مناطق المملكة، وبهدف دعم هذه المديرية الوليدة تم تكوين المجلس الصحي العام وهو أعلى هيئة صحية إشرافية في البلاد. ويضم المجلس، سمو نائب الملك رئيساً، وعضوية مدير الصحة العامة، ومدير صحة العاصمة، ومدير شرطة العاصمة، ومدير الكرنتينات، ومدير الأوقاف، ورئيس لجنة عين زبيدة، وأحد مستشاري نائب الملك. وكان التركيز الأكبر خلال تلك الفترة منصبًّا على تطوير الخدمات الصحية، ورفع كفاءات العاملين في هذا القطاع الحيوي المهم، إلى جانب مكافحة الأمراض والأوبئة المنتشرة آنذاك.
هيكلة النظام
وعقد المجلس أولى جلساته في 25 /8 / 1345هـ في مكة المكرمة، وفي ذات الوقت صدر نظام إدارة الصحة العامة والإسعاف في 1 / 8 / 1345هـ الموافق عام 1926م وبلغت مواده 111 مادة توضح ارتباط المديرية العامة للصحة، وهيكلها ومهامها ونظام موظفيها وتوصيف مهام رؤساء الأطباء والصيادلة، وتحديد الرسوم الخاصة بالعلاج، وتحديد وظائف رئيس الكتاب ومأموري المخازن، وتحديد الوظائف الضابطة للصحة، وتشكيل المستشفيات واللجان الإدارية واللجان الصحية القضائية، وما يتعلق بالاحتياطات الصحية للحجاج، وشروط العمل في المديرية العامة للصحة.
مستشفيات ومستوصفات
واهتمت مديرية الصحة العامة بتأسيس المستشفيات والمراكز الصحية المختلفة على فترات زمنية متقطعة، وكان يعلن عنها في الصحيفة الرسمية -أم القرى-، ففي شهر شعبان من عام 1345هـ الموافق عام 1926م أنشأت المديرية مستوصفاً طبياً في الطائف وجهزته بالأسرّة والأدوية وعدد محدود من الكادر الطبي، كما أنشأت مستوصفاً في حي جرول في مدخل مكة المكرمة.
وفي شهر جمادى الأولى من عام 1346هـ الموافق عام 1927م أصدر الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- أمره بتأسيس مستوصف صحي في أبها عاصمة عسير، كما اعتمد إنشاء مستوصف صحي في بحرة في العام نفسه. وفي شهر رمضان من عام 1349هـ الموافق عام 1930م اعتمد إنشاء مستشفيين أحدهما في الأحساء والآخر في القطيف، وفي عام 1353هـ الموافق عام 1934م صدرت الموافقة على إنشاء مستشفى في الطائف، وفي محرم من عام 1354هـ الموافق عام 1953م صدر الأمر السامي بتأسيس مستوصفين أحدهما في نجران والآخر في الجوف، كما صدر في العام الذي يليه وتحديداً في شهر محرم من عام 1356هـ الموافق عام 1937م صدر الأمر السامي بالموافقة على تأسيس مستوصف صحي المنطقة الشمالية من نجد ومركزه حائل، واستمر العمل في إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية بعد هذا العام حتى بلغت أواخر عام 1386هـ الموافق عام 1966م، 11 مستشفى و25 مستوصفاً، و34 مركزاً صحياً بخلاف المستشفيات والمستوصفات الأهلية.