وبعد 11 عاما من وفاة مؤسس شركة أبل ومبتكر ومصمم نظمها الشهيرة لتشغيل أجهزتها الذكية من حواسيب وهواتف ولوحات إلكترونية، جاء الاعتراف الأمريكي بدور الريادي الراحل الذي كانت حياته مثالا على اجتماع العبقرية والمأساة.
نشأة عبقرية وحزينة
كان جوبز طفلا عبقريا امتلك حبا وشغفا بأجهزة الكمبيوتر وتعقيد تركيبها، منذ أن عمل مع والده في مرآب السيارات حيث كان يقوم بتفكيك السيارات وإعادة تجميعها وتركيبها مرة أخرى.
وخلال دراسته تواصل جوبز مع بيل هيوليت مؤسس HP لطلب قطع إلكترونية خاصة لمشروعه المدرسي، ثم التحق ستيف جوبز بوظيفة في شركة أتاري المتخصصة في مجال تصنيع ألعاب الفيديو.
ونشأ جوبز، المولود عام 1955، نشأة حزينة بعدما أقدم والداه على تسليمه للتبني، بعدما عارضت أسرة والدته جوان شيبل زواجها من أبيه السوري المهاجر عبدالفتاح الجندلي لكونه على غير ملتها.
وبقدر الذكاء الذي حظي به جوبز منذ ولادته، كان الحزن الملازم له منذ الصغر بسبب تجربة التبني والابتعاد عن أبويه، وأخته الطبيعية، والتي تعرف عليها بعد سنوات طويلة وكانت الروائية منى سيمبسون.
وفي مطلع شبابه، سافر إلى الهند ليعود من رحلته برأس حليق مرتديا جلبابا هنديا ويسلك مسلكا نباتياً في طعامه طوال حياته، ومعتنقا التقشف الذي أظهره في ملابسه طوال عمره.
عاد جوبز إلى الولايات المتحدة ليعمل في مرآب بيته على تأسيس شركة أبل بالتعاون مع صديقه ستيف وزنياك، في محاولة كسر احتكار شركة "أي بي إم" لصناعة الكمبيوتر.
وابتكر الصديقان الكمبيوتر الشخصي المحمول، لتتحول شركتهم الصغيرة أبل إلى إمبراطورية تقترب قيمة أصولها وفقاً لبورصة نيويورك إلى ترليون دولار.
نجاح باهر
قاد جوبز فريقه لإعادة تعريف أجهزة الكمبيوتر، وكانت البداية مع الصندوق الأزرق وهو جهاز رقمي يستخدم في إجراء المكالمات بعيدة المدى دون رسوم، مما نتج عنه الحصول على الآلة الأولى لأبل.
واستمر ستيف جوبز وزنياك بالعمل الشاق في مرآب جوبز للحصول على تكاليف المشروع وتنفيذه كما يجب أن يكون، استمر كل منهما بالبحث عن المستثمرين لتمويل المشروع الخاص بهم إلى أن وافقت شركة إنتل.
عن عمر يناهز 25 عام، أُدرج جوبز ضمن قائمة فوربس لأغنياء العالم، فقد امتلك 100 مليون دولار، على الرغم من عدم امتلاكه لثروة عائلية، وحينها أطلق جوبز على جهاز الكمبيوتر الخاص به الجديد اسم ليزا على اسم ابنته.
تعرض جوبز للفصل من مجموعة ماكينتوش بعد قيام المدير التنفيذي لشركة بيبسي جون سكالي بتشجيع مجلس الإدارة على فصله، ولكنه لم يستسلم وبدأ في تأسيس شركته الجديدة NeXT، وفيما بعد تم دمج Apple مع NeXT ما نتج عنه نظام iOS.
وفي العام 2011 قبيل وفاته، أصبحت أبل - ولفترة وجيزة- أكبر شركة في العالم بقيمة تقدر بحوالي 350 مليار دولار، وهي تتنافس منذ ذلك الحين على هذه المرتبة مع شركة مايكروسوفت وجوجل وإكسون موبيل النفطية العملاقة.
ملياردير وجائزة أوسكار
إذا كنت من عشاق أفلام مثل "حكاية لعبة" و"شركة المرعبين المحدودة" و"البحث عن نيمو" فاعلم أن وراء خروجها للنور على تلك الجودة الفنية كان ستيف جوبز.
ففي عام 1986 اقتحم جوبز عالم الكرتون وأفلام الأطفال، مستغلا مبتكراته التكنولوجية لإنتاج محتوى يقدم المزيد من الإبهار والروعة للمتلقى، واشترى من عبقري صناعة الأفلام جورج لوكاس (صاحب سلسلة حرب الكواكب) ستديو للرسوم المتحركة بقيمة 10 ملايين دولار.
وأسس جوبز شركة بيكسار الشهيرة، لتحقق نقلة نوعية في عالم الترفيه باستراتيجية تقوم على دمج الرسوم المتحركة مع تكنولوجيا الكمبيوتر المتطورة، لتفوز بيكسار عام 1988 بالأوسكار عن فيلمها القصير "تين توي".
تألقت شركة بيكسار وازدهرت حتى طُرحت في اكتتاب نوفمبر عام 1995 وبيعت أسهمها بـ 22 دولار للسهم وصعدت سريعاً إلى 39 دولار، وامتلك جوبز فقط دولار ونصف لكل سهم منها، ليصبح مليارديرا، كما امتلك جوبز حصة كبيرة في شركة والت ديزني.
مأساة السرطان
في رسالة صادمة، وكانت مرتقبة حينها، قال جوبز لموظفيه: "لدي أخبار شخصية لمشاركتها، وأردت أن تسمعوها مني مباشرة. شُخصت بنوع نادر من سرطان البنكرياس، يمكن معالجته جراحيا إذا شُخص - كما في حالتي - مبكرا، ولن أطلب العلاج الكيماوي أو جلسات إشعاعية".
أرسل جوبز الرسالة عبر البريد الإلكتروني في أغسطس عام 2004، إلى العاملين في أبل.
كان تشخيص جوبز بالمرض قد حدث عام 2003، وأخفاه خشية أن يثير قلق المستثمرين في شركته، حتى بدأت الشائعات حول مرضه في الانتشار.
وبعد عامين، ظهر جوبز في مؤتمر أبل السنوي للمصممين نحيفا وشاحبا، وإلا أن أحدا لم يلتفت إليه إذ أطلق حينها النسخة الأولى من هاتف آيفون الذي أبهر العالم متسيدا عالم الهواتف الذكية، واعتبره البعض إعادة اختراع للهواتف المحمولة.
وأهمل جوبز أسئلة الصحافة حول صحته لفترة طويلة، إلى أن رضخ معللا الشحوب البادي على مظهره بأنه "عدم توازن هرموني" سببه العلاجات التي يتناولها، والتي أفقدته وزنه بشكل كبير.
في صيف 2009، وبعد فترة غياب عن الإعلام، أعلنت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ستيف جوبز توجَّه إلى ولاية تينيسي لإجراء عملية زراعة كبد في أحد مستشفياتها عاجلا.
واعترف جوبز في العام نفسه بإجرائه عملية زراعة كبد، شاكرا في بيان، الشاب المتوفى الذي تبرع له بكبده: "أنا الآن أعيش بواسطة كبد شاب في منتصف العشرينيات توفي في حادث سيارة، وكان كريما كفاية ليتبرع بأعضائه. لم أكن لأعيش الآن بدون كرمه هذا".
وفي 5 أكتوبر 2011 أصدرت شركة أبل وأسرته بيانين منفصلين ينعون فيهما جوبز (صاحب التفاحة المقضومة) ويعلنون مفارقته الحياة عن عمر ناهز 56 عاما.