ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته على محجة بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، وأوصاها بالسمع والطاعة لولي الأمر إلا الكفر البواح، الذي عندهم فيه من الله برهان. وقال -عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ أتاكم وأمرُكم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان». وقال في الخوارج: «إنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». فسمع صحابة رسول الله وصايا نبيهم ووعوها وتشبثوا بها عندما فتحت أبواب الفتن بمقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، واعتزلوا الخلاف الذي حصل بين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومعاوية بن سفيان -رضي الله عنه-، وصبر صحابة رسول الله والتابعين على حكم يزيد بن معاوية مع ظلمه حقناً لدماء المسلمين، وحتى لا تستباح بيضتهم، ولأن الخروج على الدولة لارتكابها المعاصي نهج الخوارج، الذين يكفرون المسلمين بالذنب ولأن الخروج ليس من السنة في شيء، فكان ذاك فقه أهل السنة والجماعة وعقيدتهم، التي ضمنت لهم حكماً سياسيا مستقراً دام قرابة ألف سنة، انتشر الإسلام فيها وذاع حتى أصبحت حضارةً أمويةً وفلسفة عباسية استقرت في وجدانهم، وانتقلت إلى الدول السنية المعاصرة، فهي عقيدة أسلافهم الذين تقيدوا بوصايا نبيهم بعدم الخروج أو التحريض على الحاكم السياسي (مختاراً كان أو متغلباً)، فعاب خوارج هذا الزمان هذا الفقه كأسلافهم، واعتبروه عبودية وخنوعاً، وأطلقوا فتنتهم المسماة (الربيع العربي)، والمفارقة أن أولئك الخوارج عندما وصلوا لسدة الحكم في بعض البلدان أصبحوا سلفيين أكثر من السلفيين أنفسهم، واستخدموا ذات الأحاديث النبوية الشريفة ومبررات حفظ الدماء والأعراض وعدم ضياع الأوطان وفقدان أمنها بسبب الخروج، التي أنكروا صحتها عندما كان الحكم بيد غيرهم، فعلى سبيل المثال تنظيم الإخوان حرض على حاكم مصر السابق السيد حسني مبارك -رحمه الله- وأنكر أحاديث الصبر على الحاكم واعتبرها ضعيفة وموضوعة وتناقض صحيح الإسلام، وأن علماء السلطان فقط مَنْ ينادون بها. وعندما وصل ممثل حزبهم لسدة الحكم تحولت الجماعة ذات النزعة الخارجية إلى سلفية ونادت بعدم الخروج على الحاكم المسلم (ممثل حزبهم). ومثلها أيضا ثورة الخميني ضد شاه إيران فعندما تظاهر الشعب الإيراني ضد طغيان وظلم الملالي أفتوا بعدم جواز الخروج والتظاهر ضد دولة الولي الفقهية. إذاً كل الفرق التي تؤمن بفكرة الخروج تتحول إلى سلفية بمجرد وصولها لسدة الحكم؛ لأن مصالحها اتفقت مع مبادئ السلف، وعندما لا تتوافق مصالحها معها تصبح تلك الأحاديث النبوية الشريفة موضوعة ومكذوبة ومَنْ يتشبث بها ينعت بالجامي وعالم السلطان!؛ وذلك من عجائب السياسة، وتحكيم الهوى في دين الله، والتلون المسقط للمروءة. وعلى الصعيد القانوني والدستوري يعتبر الانقلاب على الحاكم فعلا مجرما في كل دساتير العالم، ومن ضمن الجرائم المرتكبة ضد أمن الدول.
@falkhereiji



