الكتاب وثق لتجربة الطفرة الزراعية، لفائدة طلاب العلم، والباحثين، وراسمي السياسة الزراعية والمائية، فهو يحمل حصيلة متميزة من الحقائق، والمعارف، ويمكن تدريسها للطلاب بمختلف المراحل التعليمية، ومما يعزز هذا القول، استشهاد الكتاب بما ورد في تقرير البنك الدولي لعام (1991)، من أن القطاع الزراعي في المملكة شهد واحدا من أهم الإنجازات الضاربة في العالم المعاصر.
وقد بين الكتاب أن تقرير البنك الدولي هذا، ذكر أن معدل النمو السنوي الزراعي في الفترة من (1980 إلى 1989) وصل إلى (14.5) بالمائة مقابل معدل نمو بلغ (1.3) بالمائة لدول (OECD الكمنولث)، ومعدل نمو بلغ (2.9) بالمائة لمجموعة بقية دول البنك الدولي الأوروبية والشرق أوسطية والشمال الأفريقي، وهو نمو فاق بثلاث مرات (4.1) بالمائة معدل النمو خلال الـ (15) سنة السابقة.
يؤكد الكتاب أن الاندفاع الزراعي لم يكن له حدود، وعمل على اخضرار الأرض الصحراوية بكل أصناف الزراعة، منها القمح، والشعير، والأعلاف، وشهدت قفزة غير عادية، وصلت إلى أعتاب المنافسة في إنتاج القمح. وكان يمكن أن تستمر هذه الفورة الإنتاجية في مواصلة عطائها نحو النمو المتزايد بعد اكتساب الخبرة، وإتقان مهارة زراعة هذه المحاصيل، لكن كان التراجع، لأن الماء محدود بطبيعته في المملكة، وأصبح قيدا موجها لمسيرة التنمية الزراعية.
الكتاب يحدد المشكلة الحقيقية في غياب المياه السطحية وانعدامها. وهذه المشكلة تهدد نجاح استمرار أي تنمية زراعية غير مدروسة. وكبديل انصب الاعتماد على المياه الجوفية العميقة غير المتجددة، المتجمعة من العصور المطيرة. ومشكلة هذه المياه الجوفية تكمن في نضوبها، وأنها مياه غير قابلة للتجديد، وكميات المياه المسحوبة منها فاقت تغذيتها، بسبب قلة مياه الأمطار.
يدعو الكتاب إلى التأمل في وضع الزراعة، حيث كانت الموارد المائية الجوفية تشكل مصدرا لنحو (95.3) بالمائة من إجمالي الاحتياجات المائية في المملكة، وكانت الزراعة وحدها تستأثر بحوالي (90) بالمائة من هذه المياه الجوفية المستنزفة بنهاية خطة التنمية الخامسة (1995)، وقد استحوذت زراعة القمح والشعير، والأعلاف على النسبة العظمى من ذلك الاستنزاف، كنتيجة جاء نداء الكتاب بالتفكير في مستقبل المياه في المملكة.
الكتاب يسرد وقائع الاندفاع، وتناقض المصالح، وتعارض الأهداف في القطاع الزراعي حتى نهاية خطة التنمية الخامسة (1995)، وهي مرحلة اتخذها الكتاب معيارا لقياس درجة التوسع والانكماش الزراعي في المملكة، وأيضا اتخذها قياسا لمدى تنفيذ أهدافنا المعلنة عن ترشيد استخدام المياه، ومدى الالتزام بما يرد في خطط التنمية، وأيضا لقياس فورات الاجتهاد التي تقود إلى خسائر مالية ومائية مؤثرة في الحاضر وموجعة في المستقبل القريب والبعيد.
الكتاب يوضح أن التوسع الزراعي كان فورة نجاح خارج خطط التنمية، وصلت الذروة، لكنها خلقت خللا في الموارد المائية، فأصبح معها التراجع أمرا حتميا، فأصبحت التجربة عبرة ودرسا ثريا، وتشكل أساسا قويا لمراجعة الوضع الزراعي، والتوجه لتأسيس تنمية زراعية مستدامة تراعي مصالح الأجيال القادمة في المياه الجوفية المحدودة.
DrAlghamdiMH @



