أول الشوارع التي رصدتها بعقلي الصغير، وبحسي الشخصي شارع مكة المكرمة في مدينة الثقبة، وكان شارعا يبدو لي وأنا طفل في المرحلة الابتدائية أطول مما هو عليه في الواقع، وكانت هناك علامات رئيسة، وأخرى فرعية على هذا الشارع، ومن العلامات المميزة في بدايته موقع مدرستي الابتدائية التي كانت تتوارى في حارة جانبية في الطرف الشمالي من الشارع، وفي نقطة أبعد كما كنت أتصور، يقع منزل أسرتي في مكان ما أكثر بروزا على نفس الشارع في الطرف الجنوبي منه. كانت تميز هذا الشارع نقطتان رئيستان أولاهما أحد التقاطعات التي كانت تأتي من الجهة الشرقية وتقسم المدينة إلى نصفين شبه متساويين ويأتي مباشرة من مدينة الخبر، ويستمر غربا إلى عمق المدينة مرورا بأقدم جامع فيها ثم يتوسط منطقة السوق فيها، النقطة الثانية والتي كانت ملاحظة للجميع وتقع في التقاطع المباشر لتقاطع السوق إلى ناحية الجنوب، حيث ينتصب خزان مياه الثقبة بلونه الفضي اللامع والذي يرى غالبا من معظم أحياء المدينة. شارع مكة كان الثقبة وكان المكان الذي تقع عليه الجوامع والمدارس والبيوت الأكثر حداثة في حينها.
الشارع الثاني الذي له مكان في الذاكرة شارع الملك خالد، أو ما كنا نسميه اختصارا بشارع خالد. وهو درة شوارع مدينة الخبر التجارية، ومن أوائل الشوارع التي كانت تجذب الناس كمتسوقين ومتفرجين، حيث تنتشر على جانبيه المتاجر الحديثة بل الحديثة جدا والتي تميزها الواجهات الزجاجية والبضائع المعروضة بشكل لافت. وهناك الميزة الأبرز لهذا الشارع وهي انتشار المكتبات العربية والأجنبية فيه، حتى أن كثيرا من الرواد لهذا الشارع كانوا من الأجانب غير العرب المقيمين في الخبر والمنطقة بشكل عام. يضاف إلى جمال هذا الشارع كثرة البوفيهات الحديثة التي كانت تقدم المأكولات الخفيفة والمرطبات والعصيرات الطازجة، إضافة للمشروبات الساخنة. وكان يلاحظ المارة أن هناك أماكن مخصصة لوقوف سيارات الأجرة في بعض أجزاء الشارع، وعادة ما يتحلق السائقون حول طاولة في أحد المقاهي المنتشرة على الرصيف في انتظار زبون جديد. هذا الشارع كان يمتد شمالا وفي آخر نقطة منه على الطرف الجنوبي كان هناك موقف خاص لسيارات الأجرة ربما التي تسافر إلى مناطق بعيدة، ثم يأتي شارع بالعرض ينتهي شرقا عند البحر، يليه مقهى إلى جهة الجنوب كان يطلق عليه الكازينو الكبير، وهو مكان لتقديم المشروبات وقضاء وقت تحت ظلال الأشجار.
في فترة ليست بالبعيدة. رحت مع أحد أقاربي لشارع خالد ولم يبق من تلك المظاهر شيء، وتمنيت على مرافقي أن يقف في نقطة متقدمة من أول الشارع وأن يتيح لي المشي على قدمي لعلي أجد في هذا الشارع شيئا من رائحة الماضي، وبالفعل نزلت وسرت مسافة ليست بالقصيرة، ولم يتطابق ما في الذاكرة مع شيء مما كان حولي، فالمحلات التجارية أصبحت محدودة وبواجهات أقل بهجة، باختصار شعرت بغربة، وقررت أنا وقريبي إكمال السير في الشارع إلى نهايته ونحن في السيارة، وهذا ما حدث، وللأسف كل شيء أصبح أضيق من السابق وأقدم من السابق، وأقل بهجة وأنسا من السابق.
salemalyami@



