«يسعى الكاظمي إلى تضييق الخناق على الميليشيات الشيعية الموجودة في العراق، التي تدعمها إيران»ركزت العناوين الرئيسية للأخبار التي غطت المؤتمر الصحفي الذي جمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يوم الخميس الماضي، في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض على إجابات ترامب حول إقراراته الضريبية وإدانته لمستشار الرئاسة الأسبق ستيف بانون. لكن الخبر الأبرز في هذا الاجتماع هو عقد شراكة واعدة بين الولايات المتحدة والعراق. فبدعم الولايات المتحدة، يمكن للعراق قمع الإرهاب والميليشيات المدعومة من إيران، مما يساعد في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، الذي سيمنع التدخلات الأمريكية في المستقبل.
وتقف العراق الآن عند مفترق طرق، بعد أن هزتها الاضطرابات المدنية منذ أواخر عام 2019. وأطاحت المظاهرات ضد الفساد الحكومي والنفوذ الإيراني برئيس الوزراء السابق، كما أدت الضربة الأمريكية بطائرة بدون طيار على زعيم الإرهاب الإيراني قاسم سليماني خارج مطار بغداد في يناير الماضي إلى تأجيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وتسببت في انطلاق تصويت غير مُلزم بالبرلمان العراقي لطرد القوات الأمريكية.
ويريد الكاظمي حاليًا تقوية الحكومة المركزية الضعيفة في العراق، والحفاظ على استقلال البلاد. وسبق للفصائل الموالية لإيران في العراق أن حاولت منع صعوده إلى منصب رئيس الوزراء، بينما سعى هو إلى تضييق الخناق على الميليشيات الشيعية الموجودة في العراق والمدعومة من إيران.
وتشترك الولايات المتحدة مع الكاظمي في مصلحة منع العراق من أن يصبح بؤرة رئيسية لإمبراطورية إيران الإقليمية. فمن شأن ذلك أن يهدد حلفاء الولايات المتحدة ويخاطر باندلاع حرب أوسع نطاقًا. ورأى الأمريكيون بأنفسهم من قبل مدى السرعة التي يمكن للمتشددين ملء فراغ السلطة بها، حينما سيطر تنظيم داعش الإرهابي على أجزاء من العراق بعد انسحاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2011.
وعلى غرار أوباما، أوضح ترامب أنه «يريد بصمة أمريكية خفيفة» في الشرق الأوسط. وهذا يتطلب دعم قادة مثل الكاظمي لإبقاء الصراع تحت السيطرة. وكان ظهور الكاظمي في البيت الأبيض وسط ظروف الوباء بمثابة عرض قوي للدعم الأمريكي الذي يحظى به رئيس الوزراء العراقي الحالي. أيضًا، أعلنت الولايات المتحدة عن توجيه 200 مليون دولار كمساعدات إنسانية للعراق، مما سيساعده على تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية، وقد يكون هناك المزيد من المساعدات والقروض الأمريكية للعراق مستقبلًا.
من ناحيته يرغب الكاظمي أيضًا في إظهار التزام العراق بالشراكة الإستراتيجية مع أمريكا، ووافقت إدارة بغداد هذا الأسبوع على اتفاقيات طاقة مع شركات شيفرون وجنرال إلكتريك وشركات أمريكية أخرى. والهدف الإستراتيجي الآخر للولايات المتحدة من وراء هذه الاتفاقيات هو تقليل اعتماد العراق على الطاقة الإيرانية.
على الجانب الآخر، لا يزال هناك حوالي 5000 جندي أمريكي في العراق، معظمهم يدربون قوات الأمن. وفي اجتماعه مع الكاظمي، قال ترامب: «إننا نتطلع إلى اليوم الذي لا يتعيّن علينا فيه أن نكون هناك، ونأمل أن يتمكن العراق من أن يعيش حياته وأن يتمكن من الدفاع عن نفسه». ولم يحدد الرئيس الأمريكي موعدًا نهائيًا للانسحاب الأمريكي، ولكنه أشار أيضًا إلى نية الولايات المتحدة المغادرة في نهاية المطاف، وهو أمر يساهم على الأرجح في دعم الكاظمي محليًا.
ختامًا.. يمكن القول إن بعض أبناء الحزب الجمهوري الأمريكي فقدوا بعض الاهتمام بالشرق الأوسط مع تزايد المنافسة بين القوى العظمى هناك. لكن المنطقة لا تزال منتجًا رئيسيًا للنفط، وإيران تشكل خطرًا إقليميًا مهمًا وترعى الإرهاب. ويمكن للشراكة بين أمريكا الكاظمي أن تجعلها أكثر استقرارًا طالما أن ترامب يتجنب هذا النوع من الانسحاب المتسرع الذي حاول القيام به في سوريا. أضف إلى ذلك الاتفاق الجديد بين إسرائيل والإمارات، وكل هذا يظهر أن موقف الإدارة الأمريكية الصارم المناهض لإيران في الشرق الأوسط يؤتي ثماره.