راقبت مثل غيري الانتخابات البرلمانية الإيرانية التي جرت يوم الجمعة الماضي ( 21 فبراير 2020 ) وكان واضحا من الإجراءات التي تمت قبل إجراء الانتخابات من شطب قرابة الـ 7000 مرشح من ما يسمى بالمعتدلين أو الإصلاحيين من بين 14 ألف متقدم أن مسار الانتخابات يراد له أن يكون ليس في صالح المتشددين بل الأكثر تشددا. فوفقا للنتائج غير النهائية فإن التيار المتشدد ضمن على ما يبدو ما يكفي من المقاعد في أنحاء البلاد لتكون له الأغلبية في البرلمان المقبل. فوفقا لوكالة «فارس»، المنبر الإعلامي لـ«الحرس الثوري»، فإن المحافظين تمكنوا من الاستحواذ على 223 مقعدا في مقابل هزيمة قاسية للإصلاحيين الذين حصلوا على 16 مقعدا فقط وذهب 36 مقعدا لنواب مستقلين، وذلك من بين 275 مقعدا تم التعرف على هوية الفائزين بها من أصل 290 مقعدا في البرلمان الإيراني.
إلا أنه بالرغم من تمديد السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات ثلاث مرات متتالية لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، وبالرغم كذلك من تحريك خامئني للورقة الدينية بوصف التصويت واجبا دينيا، لكن ذلك لم ينجح في رفع نسبة المشاركة والتي لم تتجاوز 20 بالمئة، أي أن 80 بالمئة امتنعوا عن التصويت بحسب مصادر رسمية. فوفقا لمعهد الأبحاث والدراسات بجامعة طهران كشف في استطلاع قام به عن أن 24 % فقط سيدلون بأصواتهم في انتخابات البرلمان الإيراني. أما مؤسسة جمان المتخصصة في دراسات استطلاع الرأي للإيرانيين (مستقلة تتخذ من هولندا مقرا لها) فأعلنت أن 81 % من سكان إيران البالغ عددهم 83 مليون نسمة لن يشاركوا في انتخابات البرلمان. حتى التصريح الذي أدلى به وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي من أن نسبة إقبال الناخبين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية بلغت 42 في المائة في عموم البلاد، و25 في المائة في طهران، تعتبر الأقل على مدى 40 عاما من تبني إيران نظام «ولاية الفقيه». علما بأن نسبة الإقبال بلغت 62 في المئة في الانتخابات البرلمانية عام 2016 و66 في المئة في انتخابات عام 2012، وهناك نحو 58 مليون إيراني يحق لهم الإدلاء بأصواتهم.
هذه النسبة المتدنية للإقبال على الانتخابات تعطي مؤشرا مهما وواضحا من أن الشعب الإيراني مصاب بالإحباط من النظام، وأن شرعية هذا النظام قد تآكلت بشكل كبير جراء الأوضاع الاقتصادية السيئة، وجراء القمع الدموي للمتظاهرين في أزمة البنزين، وجراء السياسات التصادمية مع الغرب والتي عزلت إيران وأدخلتها في عقوبات كبيرة زادت من سوء الوضع الاقتصادي والمعيشي للشعب.
ودلالات التصويت على اختيار أعضاء البرلمان وإن كانت شكلية ولن تؤثر قطعا في السياسات الخارجية أو السياسة النووية لإيران، التي يحددها خامنئي والمرجح أن يهيمن أنصاره على البرلمان، إلا أن حصول المحافظين والأصوليين على المزيد من المقاعد في البرلمان قد يعزز فرصهم في انتخابات الرئاسة التي تجرى في العام المقبل. كذلك سيطرة المتشددين على دورة البرلمان الممتدة لـ 4 سنوات ستكون عقبة أمام روحانى، وستقلص بشكل كبير هامش المناورة الذي يتمتع به الرئيس روحاني حتى نهاية ولايته في 2021. أيضا بإمكان المتشددين الذين يرغبون في إزاحة الرئيس روحاني أن يطرحوا «عدم الكفاية السياسية للرئيس التي ينص عليها الدستور»، للإطاحة به على غرار الرئيس الإيرانى الأسبق بني صدر. أيضا إن سيطرة المتشددين سوف تعزز من فرص توريث مجتبى خامنئي، نجل المرشد كزعيم ديني (المرشد الأعلى) والذي له علاقة جيدة مع المحافظين والحرس الثوري.
وأخيرا اعتقد أن نتائج الانتخابات رغم شكليتها هي عنوان لمرحلة مقبلة أشد قتامة، وأكثر تشددا وصدامية مع هيمنة الأكثر تشددا على المشهد الإيراني والذين يرفضون أي مفاوضات مع الغرب ويتطلعون إلى التخلي عن الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العام 2018.
[email protected]@Alothaimin