في منتصف شهر أكتوبر القادم ستلبس مدينة الرياض أبهى حلة في موسمها الفني والترفيهي الذي يحن إليه أهلها وأهل المدن والقرى المجاورة لها، في حقبة الحياة الطبيعية التي أصبحت تعيشها البلاد في الفترة الحالية، بعد أن حُرمت من الفرح والبهجة طيلة عقود من الزمان سيطر فيها أصحاب التزمت على مقاليد الأمور في التعليم وتنظيم شؤون الحياة اليومية.
وخلال تأملي لفعاليات موسم الرياض هذا، وقبله موسم العلا، ومهرجانات للترفيه والبهجة في عدد من مدن المملكة ومناطقها المختلفة؛ تذكرت أولاً عبارات محبطة كان يرددها الحاقدون والمؤدلجون من بلدان عربية مختلفة: بعضها كان يأتي من بعض بلدان الخليج والبعض الآخر من بلدان عربية أخرى قريبة أو بعيدة. كانت تلك الأصوات تنادي بعدم التغيير في المملكة العربية السعودية (بل وأكثرها كانت تسمي بلدنا: بلاد الحرمين، وكأنهم لا يعترفون باسمها الرسمي)، وكأن صرخاتهم المسمومة تعلي الصوت: كيف تطرب السعودية؟ وكيف يفرح الناس فيها داخل بلادهم؟ إذ إن عليهم إن أرادوا الترفيه والبهجة لهم ولعائلاتهم أن يغادروا بلدهم، ويأتوا إلينا، حيث نمارس نحن الفرح والبهجة، ونقيم لهم كل ما نستقبح أن يفعلوه داخل بلادهم! ومثل ذلك كانوا يقولونه عن قيادة النساء السيارة مثل بقية نساء العالم -بما في ذلك بلدان أولئك الموتورين- حيث كانوا يولولون، ويحذرون من كارثة إذا سمح للنساء بقيادة السيارة. ولكن نحمد الله أن قيادة البلاد كانت تملك من الحزم والعزم ما جعلها لا تلتفت لنعيق أولئك الغربان، وبعد سنتين تقريباً الآن من صدور قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، وأكثر من سنة منذ تطبيق ذلك على أرض الواقع، لم يلحظ أحد أي تطورات سلبية، بل سارت الأمور بسلاسة. وأحست النساء بامتنان لقادة البلاد الذين مكنوهن من ممارسة حقوقهن الطبيعية مثل أشقائهن الرجال، ومثل بقية النساء في العالم، كما أحست كثير من العائلات برفع عبء كبير عن كواهلهم، من خلال تمكين المرأة القادرة على القيادة من تدبر شؤون نفسها في التنقل، بل ومساعدة العائلة أيضاً في نقل بعض الأطفال إلى مدارسهم وإنجاز بعض الأمور عند انشغال رب الأسرة أو الذكور فيها ببعض أعمالهم.
هذا كله تحليل اجتماعي لوضع الانفتاح الجديد، لكن الفكرة التي راودتني وأنا أستعرض فعاليات موسم الرياض القادم هي في الجانب المجازي الرومانسي من المشهد؛ فقد تكوّن لديّ سؤال عن كيف ترى مدينة الرياض نفسها خلال الخريف القادم، وهي تكتسي هذه الحلة البهيجة، والناس بمختلف فئاتهم يتنقلون فيها بين فعالية وأخرى، مما لم يكونوا يستطيعون فعله إلا في بلاد أجنبية؟ وتذكرت مقولة مارتن هايديغر عن الإنسان بأنه حيوان راءٍ (أي مشاهِد)، تنجم أعماق إنسانيته من نظراته، وتنبثق منها رغباته في أن يشارك الآخر ما يتحقق له من سعادة أو شقاء. والعين لا تدرك كل ما ترى، بل إن الذات لا تدرك الوجود إدراكاً حميماً إلا متى أنصتت إليه، وأدرك الفكر منها بالنظر ما يمكنه أن ينصت إليه. وما يحدث لمدينة الرياض تجربة إنسانية عميقة، نأمل أن تغير مقولة أوجين يونسكو عن سكان المدن الكبرى من أنهم يكادون لا ينظرون من حولهم. فهم لا يبتسمون، ولا يسخرون، ولا يضحكون؛ لا يسكنهم غير الحقد والكراهية.
هذا كله تحليل اجتماعي لوضع الانفتاح الجديد، لكن الفكرة التي راودتني وأنا أستعرض فعاليات موسم الرياض القادم هي في الجانب المجازي الرومانسي من المشهد؛ فقد تكوّن لديّ سؤال عن كيف ترى مدينة الرياض نفسها خلال الخريف القادم، وهي تكتسي هذه الحلة البهيجة، والناس بمختلف فئاتهم يتنقلون فيها بين فعالية وأخرى، مما لم يكونوا يستطيعون فعله إلا في بلاد أجنبية؟ وتذكرت مقولة مارتن هايديغر عن الإنسان بأنه حيوان راءٍ (أي مشاهِد)، تنجم أعماق إنسانيته من نظراته، وتنبثق منها رغباته في أن يشارك الآخر ما يتحقق له من سعادة أو شقاء. والعين لا تدرك كل ما ترى، بل إن الذات لا تدرك الوجود إدراكاً حميماً إلا متى أنصتت إليه، وأدرك الفكر منها بالنظر ما يمكنه أن ينصت إليه. وما يحدث لمدينة الرياض تجربة إنسانية عميقة، نأمل أن تغير مقولة أوجين يونسكو عن سكان المدن الكبرى من أنهم يكادون لا ينظرون من حولهم. فهم لا يبتسمون، ولا يسخرون، ولا يضحكون؛ لا يسكنهم غير الحقد والكراهية.



