ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة السابقة بفيديوهات تحدي «رقصة الكيكي»، والتي اتسع انتشارها وامتد من شوارع الغرب حتى حطت رحالها في شوارعنا العربية، ويكمن التحدي في القفز من السيارة والقيام بحركات استعراضية، في الوقت الذي تكون فيه السيارة قيد التشغيل والحركة بشكل بطيء، وعلى أنغام الأغنية التي سمي التحدي بها، ومن هنا انتشرت مقاطع التحدي وأشعلت مواقع التواصل كالنار في الهشيم، وبالطبع كان من أوائل المنساقين خلفها الشباب والمراهقون، وقد اعتدنا للأسف أن يأخذ البعض من شبابنا -هداهم الله- المواد الفارغة من المضمون من الخارج وصبها في بوتقتنا العربية تحت مسمى الترفيه والترويح عن النفس، غير مكترثين بمخاطر هذا النسخ العشوائي ولا مدركين لخطورة هذا الأمر وانعكاساته المستقبلية.
ومثلما لقي هذا التحدي الترحيب من خلال محاكاته، لقي هجوما كبيرا من بعض رواد التواصل وكذلك العامة، الذين اعتبروه بمثابة مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة، وتعريض حياة المتحدي والاخرين للخطر، والإخلال بالآداب العامة. ومن المؤسف أننا نجد مشاهير عربا قد انزلقوا في هذا الوحل بكامل ارادتهم، وبدل أن يكونوا خير معين في الفصل بين الجد والهزل، كان منهم أن تناقلوا مشاهد تحدياتهم مع معجبيهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشجعوا بذلك البقية على ممارسته والضرب بقوانين الدولة عرض الحائط، ونسوا أنهم يعتبرون قدوة لدى البعض الذي لا يكف عن تقليد من يجب.
لم ينته المطاف هنا بل تبع جنون التحدي الأول تحد جديد لا يقل خطورة عن سلفه، إنه «تحدي الزوم» حيث يجلس أحدهم على الأرض بينما يظهر كأنه يؤدي حركات من يركب السيارة ويبدأ بقيادتها، ثم يسحبه آخر لا يظهر في التصوير من قدمه ليختفي من المشهد وكأنه انطلق في القيادة، وهذا ما قد يرجح ارتطام الرأس بالأرض، كما أظهرت بعض المشاهد المطبقة ذلك، وهنا يتعدى الأمر منطقة الترفيه إلى ساحة الخطر، ومن المؤكد أن يجد له مكانا في عالمنا العربي طالما هناك بعض الفارغين بيننا لا يمتثلون إلا بسذاجة الغرب وتفاهاتهم.
السؤال هنا: ما السبب وراء تهافت البعض من العرب خلف تلك التحديات الجوفاء؟ ولماذا لم يفعل عنصر التحدي في مجاراتهم علميا وتقنيا مثلا؟. أمر يثير الغرابة والحزن ايضا، فبما أن هناك روحا تحاكي العالم وتتفاعل معه، كان الأجدر بها أن تنفع بلدها ومجتمعها، وتوظف ذلك الحماس في دفع عجلة التنمية، ولا تصدر للغرب مدى التبعية المفرطة لهم من خلال الفيديوهات التي تنقل من بلادنا للعالم أجمع، فقد يكون هذا ما يريده الغرب فعلا، شغلنا بتفاهات وأمور غريبة شكلا ومضمونا، فهم يعلمون جيدا أن العرب إن ركزوا في قوتهم البشرية الكامنة في عقول شبابهم سيتصدرون العالم ويتربعون على عرش الإنجازات اللامسبوقة، فلنحذر من تلك «الفيروسات» المغلفة بالترفيه ولا نؤجرهم عقولنا ليتمرجحوا بها.