العالم من حولنا، والإقليم في حالة غليان أمني، ونحن جزء من هذا العالم، ولدينا ولله الحمد الكثير من الأسس الراسخة التي تمكننا كدولة ومجتمع، وأنظمة، ومصالح محددة بين الناس، وقيم متشاركة ما يجعلنا ننظر إلى كل ذلك أنه من عرض الحياة وصراعها، ومن أوجه التحولات التي تصيب المجتمعات. لان التحولات تتبعها تغيرات في الأفراد والرغبات والسلوك لدى الأفراد والمجتمعات، والدول. كل هذه المعاني لا تغني عن تفحص هذه الحوادث والتقرير بأن الإرهاب الذي يمكن تسميته بالكامن، أو المصدر من الخارج عبر الوسائل المتعددة اليوم قد يستثمر هذه التطورات والقفزات في حياة المجتمع على مستوى التشريعات والتنظيمات وتقنينها، ليطل برأسه من جديد عبر التغذية المتوقعة له ممن يودون النيل من سلامة واستقرار هذه البلاد وأمنها وتنميتها البشرية والمادية والثقافية.
الأمر الآخر الذي يجدر التوقف عنده من هذه الحوادث هو التطلع بشغف إلى تصحيح الأسس التي قد تكون الدوافع الحقيقية إلى بروز حالات العنف المسلح في المرافق المدنية، وهي كثيرة في الواقع ويحتاج إلى رصدها والتعامل معها مزيد من الدراسات ولعلني ألتقط بعض النقاط او العناصر التي سارع الناس إلى الإشارة إليها بقوة على هامش الاعتداء على الممارس الصحي الممرض بمستشفى الملك سلمان، وأهمها تفعيل القوانين التي تنظم الاعتداء على شاغلي هذا القطاع، وذكر بعض المختصين أنها ماليا غرامة مادية كبيرة، بالإضافة إلى سجن قد يصل إلى عشر سنوات، ولان الشيء بالشي يذكر أيضا، ذكر بعض المعلقين خلال اليومين الماضيين أن بعض البلدان الغربية وضعت عقوبة تصل إلى السجن أربعة عشر عاماً بالإضافة إلى غرامة مالية لمن يهين وليس يقتل ممارسا صحياً. وآلمني كمراقب ومواطن أعيش بين الناس وأسمع منهم موجة الحديث عن الأوضاع العملية للعاملين في القطاع الطبي الوطني، ولمست مسارين رئيسيين الأول يتعلق بنظرة لا تزال حالة في أذهان من يتلقون الخدمة من المواطنين، ويقوم على فكرة أن كفاءة الكوادر الوطنية هي أقل من نظيرتها لدى العاملين في ذات القطاع من العمالة الأجنبية، لذا تنشأ من هذه النواحي المتعلقة بالخبرة وكيفية التعامل مع المريض ومرافقيه حالات إهانة، وشجار، وتتطور للأسف في بعض الحالات إلى قتل وإطلاق نار. المسار الآخر هو لصيق بطبيعة عمل شاغلي هذا القطاع وأنهم لا يتمتعون بالحماية الكافية العملية والقانونية أو التنظيمية، وأن ساعات العمل بالنسبة لهم طويلة ومرهقة، وتتجاوز المطلوب منهم في كثير من الأحيان. أعود للممارس الصحي المعتدى عليه بإطلاق النار في رأسه في مستشفى الملك سلمان بالعاصمة وأشير إلى حجم التأثر الذي لمسته من ردود أفعال زملائه في العمل، ذكورا وإناثا، وحجم مطالبات الجميع وبتأثر بالغ بإعلان التفاصيل عن الحادث، وتعميم العقاب الذي يستحقه الجاني او الجناة ليشعروا بشيء من ردة الاعتبار المهنية. وهذا كله أخذني إلى مسار آخر حيث فكرت أنه قبل عقود بسيطة لم يكن لدينا في هذه البلاد المباركة كادر طبي، ولا كادر مساعد، واليوم كل ذلك يتبلور ويشكل جسماً آمل أن يكون في المستقبل أفضل عبر التنظيم والتشريعات الحمائية الصارمة وعبر تحسين بيئة العمل إداريا وأمنيا. فليس للوطن إلا أبناؤه وبناته.
