DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

مقتطفات من ذكرياتي (14)

مقتطفات من ذكرياتي (14)

ثم لمس «العلجي» شغله الأساس الذي اعتبره المعول الهادم «للمعتقد الديني السلفي» وهو ما ادعاه «بخرافات التمدن»، الخرافات التي دعا لها «عُباد الصليب» فانخدع بها المغفلون والحمقى ممن حوله سواء في بلدة «هجر»، أو من حولها من بلدان فقال:
وليست خُرافاتُ التمدُنِ بينكُم
خدعتُم بِها الحمقى غبِيا وأنكدا
وخلُص «العلجي» إلى القول إن «آيات حقٍ»، وكان يقصد بها «العقيدة السلفية» التي هي بِيدِ كرامٍ مخلصين لربهم يبيعون دنياهم بما لديهم من غال وثمين. أما من دعاهم «بالحمقى» و«المغفلين» الذين خُدِعُوا «بخرافات التمدن» فلا لهم مُصابرة عنده، بل لِيعلموا أن الشرع (أي العقيدة السلفية) هي الأساس والمقصد فقال:
ولكِنها آياتُ حقٍ بِأمرِها
نُعِيدُ عليكُم بأس قتلٍ مُجددا
بِأيدِي كِرامٍ مُخلِصِين لِربِهم
يبِيعُون دُنياهُم بِأعلى وأبعدا
وأنتمُ علِمتُم ما لكُم في مِثالِنا
مُصابرة إِذ يُجعلُ الشرعُ مقصدا
ولا أزال مع «العلجي» ابن بلدة «هجر» البار، هذا الشيخ الذي أثلج صدره انتصار الإمام «الملك عبدالعزيز فيما بعد» بِسيطرته على «بلدة هجر» فقدح قريحته مادحا ومُؤيدا. وواجه «الملك عبدالعزيز» بشكوى تقدم له بها فقال «العلجي» في تقديم الشكوى:
وثم لنا شكوى مِن الوقتِ فارعها
تكُن بِدُعاءِ المُسلِمِينِ مُؤيدا
أما مضمون «الشكوى» فهي «خدائع أعداء» من شأنها المساس «بالمعتقد الديني السلفي». من هذه «الخدائع» إنشاء «مدارس» قال «العلجي» عنها: إنها أُنشِئت لِتبُث الفتن، وأن تعليمها زور وبهتان، ولقد اغتر بها حمقى، فطالب باجتثاثها، وحرق مؤلفاتها، وذكر منها ما أُلِف عن «الجغرافيا» فيها والذي سماه «تقويم» قائلا:
خدائِعُ أعداءٍ تُسمى تمدُنا
تبُثُ على الإِسلامِ شرا مُفندا
مدارِسُ قامت فِتنة وخدِيعة
فتعلِيمُها زُور وتهذِيبُها ردى
فغرُوا بِها الحمقى إِلى أن تجاذبت
وعمت عُمُوما لا يُقاسُ لها مدى
فنأملُ بسط السيفِ حتى تُزِيلها
وتقطع مِنها أصلها المُتمدِدا
وتحرِقُ تألِيفاتِها فهي قد سرت
وتزجُرُ عن «تقوِيمها» وتُهدِدا
ومن ثم أنهى «العلجي» قصيدته ببيت دعا فيه للملك «عبدالعزيز» بالنصر والتأييد له إذا تمشِي بِسبلِ الهدى، وعنى بها «الشريعة الإسلامية» السمحة.
أنالكُمُ النصر المُبِين إِلهُكُم
وألزمكُم ما دُمتُمُ سُبُلُ الهُدى
ولم يكتف «العلجي» بما نادى به الملك «عبدالعزيز» أن يحمي «المعتقد الديني السلفي»، بل توجه للأمير «عبدالله بن جلوي» الحاكم الجديد لبلدة «هجرة» والتي سُمِيت «ملحقة سلطنة نجد» وقتها، ومن ثم «مقاطعة الأحساء» بعد تسمية «المملكة العربية السعودية» في عام 1351هـ بقصيدة جاء في مطلعها مهنئا الأمير:
دعُوا سالِفا مِن ذِكرِ ليلى ومِن هِندِ
وذِكرى أحادِيثِ الرصافةِ والرُشدِ
ولكِن تعالُوا عطِرُوا مجلِس الهنا
بعُودِ أبِ الإِحساءِ أعنِى أبا الحمدِ
فتى جلوِيٍ من نُقرِعُ بِاسمِهِ
قلُوب الأعادِي مِثل قارِعةِ السدِ
فهيبتُهُ العُظمى هدت كُل ظالِمٍ
فداعِي أذاهُ لا يُعِيدُ ولا يُبدِي
ونوه «العلجي» عن توجهات الحاكم الجديد، وأن همُه هو الدفاع عن الشريعة الإسلامية، والقرآن الكريم قائلا:
فتى همُهُ نصرُ الشريِعةِ والهُدى
وحِفظُ حُدُودِ اللهِ فِي القُربِ والبُعدِ
وكانت حُدُودُ اللهِ قبلُ مُضاعة
كأن لم يكُن فِيها مني الشرعِ مِن حدِ
كأن كِتاب اللهِ لا يدرُسُونهُ
وما كان فِيهِ مِن وعِيدٍ ومِن وعدِ
وقال «العلجي» في قصيدة أخرى شاكرا الأمير «عبدالله بن جلوي» على تطهير البلدة من ذوي البغي والفساد:
شكرناك إِذ طهرت بلدتِك التِي
لها مِنك ظِل بِالأمانِ ظلِيلُ
فما زِلت للدِينِ الحنِيفِيِ ناصِرا
تقُومُ على أعدائِهِ وتصُولُ
وهكذا شفى «العلجي» غليله لما توجه «للملك» و«الأمير» يحثهما على أن يهتما برعاية «العقيدة السلفية» التي يحوم حولها أعداء كثر يحاولون المساس بها، بل وقال في صراحة: إن حُدُود اللهِ كانت من قبلُ ب مُضيعة، بما فيها «القرآن الكريم» الذي لم يكن محل دراسة، وأنه حل محله مدارس أنشئت لتبث الفتن، وأن تعليمها زور وبهتان، ومنوها بعلم تقويم البلدان (الجغرافيا) الذي يرى أن يُحرق كل ما أُلِف فيه، أن يطالب الشيخ «العلجي» بحماية المعتقد الديني ببلدة «هجر» فهذا شيء مشرف، ونبيل، ومأجور عليه وقتها، وله أنصار في مدارس الوعظ والأربطة يؤيدونه، إنما أن يصب جام غضبه كما سنرى، على مفكر إسلامي وقتها وهو «محمد فريد وجدي» فأمر غريب!!! وموقفه منه كان يحتاج وقتها لتفسير! فمن هو هذا المفكر؟ هو، كما يِروي كل لِداته وأترابه عنه من أنه عالم موسوعي، وباحث فلسفي، ومفكر غير حزبي، وأديب. وهو أحد أعلام الفكر العربي في القرن العشرين. أجمع كل مُعاصريه على أنه كان واثقا من نفسه، رزينا، يقدر مشاعر الآخرين، عقلانيا، فلسفيا، متشبثا بثوابت الإسلام، وكان من أهم ما كان ينادي به هو أن الإلحاد آفة، وأن الدين أساس الإصلاح، وأن الدين فطرة، وكان من الدعاة الذين يتناسون الأذى في أشخاصهم، ويُركزون على أهدافهم، ذلك أنه لو التفت لِمن يذمه ما بنى إنجازا يُذكر. قال تلميذه الأديب الكبير «عباس محمود العقاد» عنه في تأبين له بعد وفاته: «لقد عرفنا في عصره طائفة غير قليلة من حملة الأقلام، ورجال الحياة العامة، فلم نعرف أحدا منهم بما يُماثله في طابعه الذي تفرد به في حياته العامة والخاصة، وفي خُلُقِهِ وتفكيره، وفي معيشته اليومية أو معيشته الروحية، وأوجزُ ما يقال عنه في هذه الحالات جميعا: أنه لم يُخلق في عصره من يتقاربُ المثلُ الأعلى والواقعُ المنشود في سيرته كما يتقاربان في سيرة هذا الرجل الفريد، نعم الفريد حتى في لغة الجِناس»، لأن اسمه «فريد»، «والفريد حتى في عُزلته، لأنه كان في عزلة النساك والرهبان، عليما غاية العلم بالتحليل والتحريم».
ما قاله الشيخ «العلجي» عن «فريد» غير مستغرب ذلك أن «العلجي» رحمه الله «ابن بيئته»، بيئة قلتُ عنها سلفا أن «الأمية» كانت المهيمنة على الغالبية من سكانها.
ولد «محمد فريد وجدي» بالإسكندرية في عام ١٨٧٥م لِأسرةٍ ذات أصولٍ تركية، وكان والده مهتما بالعلم اهتماما نطق به لسان حال مكتبته التي ضمت أنواعا مختلفة من العلوم والمعارف. وتوفي «وجدي» بالقاهرة سنة 1954م الموافق 1373هـ وأنا طالب في المدرسة الثانوية في بلدة «هجر»، واقتنيتُ وقتها كتابه: «الإسلام في عصر العلم» من «مكتبة التعاون الثقافي» في بلدة «هجر»، والكتاب لا يزال موجودا عندي حتى الآن.
عمل «وجدي» على تحرير «مجلة الأزهر» لبضع وعشر سنوات. وله العديد من المؤلفات ذات الطابع الديني والوثائقي. ومن أهم كتبه كتاب «كنز العلوم واللغة»، وكتاب«دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي»، وله كتاب مهم بعنوان «صفوة العرفان في تفسير القرآن»، وله كتاب رائع في السيرة اسمه «السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة»، وله كتابُ في شرح مبادئ الإسلام وردِ الشبهات عنه اسمه «الإسلام دين عام خالد»، ومن مؤلفاته المهمة أيضا «الإسلام في عصر العلم»، وهو كتاب أبان فيه التوافق بين العلم والدين. ولي مع هذا الكتاب وقفة فيما يلي.
المزيد من المقالات

اكثر قراءة

المزيد