ندرك أن عقلية «العمائم» بطيئة في فهم المتغيرات وقراءة تسارع وتيرتها المتلاحقة، ولا تستوعب أنها على رقعة شطرنج تتحرك أحجارها بشدة نحو الهدف المعلن «كش ملك» فيما لا فائدة إطلاقاً من كل حركات النقل اليائسة التي يراهنون عليها كمحاولة لتجميد المواقف على الأقل كما هي العادة طيلة السنوات الماضية، وتناسوا ـ كالمعتاد ـ أنه عند اللحظات الصفرية لأي صراع، فلا يمكن التكهن إطلاقاً بـ«النقلة» التالية.. وهو ما فعلته إدارة الرئيس ترامب.
ولم تكن مفاجأة إذاً، أن تضع الشروط الأمريكية الاثنتا عشرة، إيران ـ بنظامها وعمائمها وأذرعتها وميليشياتها ـ في هذه المعادلة الصفرية وتحديداً في مصيدة اللا خيارات، حيث لا يمكن القبول بمناطق وسطى أو رمادية، إما فائز أو خاسر.. منتصر أو مهزوم، لأن عالم السياسة الدولية اليوم بات واضحاً أكثر من ذي قبل، وخاصة فيما يتعلق ليس فقط بمواجهة الغطرسة الإيرانية، ولكن بتحجيم نفوذها ووضعه داخل إطاره الطبيعي، والأهم استئصال «فزاعة» وكلائها وأذرعها الإرهابية في المنطقة من العراق وسوريا شمالاً، ولبنان غرباً، وحتى اليمن جنوباً، ما يعني قطعاً لذيول الأفعى قبل رأسها.
والمتأمل في الشروط الأمريكية الاثنتي عشرة، يجد أنها حزمة متكاملة من العقوبات «الضمنية» هي الأقسى في تاريخ المواجهة بين إيران والعالم، ووضعت بذكاء إيران على حد المقصلة، بحيث يبدو الأمر وكأنه تقليم للأظافر، ولكنه في الحقيقة قطع للأصابع والأيدي والأذرع التي تمتد على أطراف الإقليم الإيراني وتهدده في العمق، منتظراً لحظة الحسم النهائية بقطع العنق ذاته، أو يسقط من تلقاء نفسه.. كنوع من الانتحار الذاتي أو قبول «تجرع كأس السم» على طريقة الخوميني، وهذا ربما يحدث، إن آجلاً أو عاجلاً، وربما ليس ببساطة.
