يبرز في هذا الاتجاه بائعو الوهم المقرضون؛ الذين هم منخرطون بشكل أو بآخر في مديونيات كثيرة على الناس، ضمن أسلوب بيع محرم تظهر فيه بجلاء ربا العينة، ناهيك عن عدم التزامهم بحد ائتماني للعميل بل عدم سؤالهم عنه في الأساس، كل هذا يؤجج نار هذه الظاهرة ويضعنا لدى وفود من حالات إنسانية متعثرة لا تنتهي، إن الطمع يعمي الأبصار ويزين لها طريق الخطأ، وتجار الصابون وتجار بعض معارض السيارات وغيرهم من أرباب البيع الوهمي لهم الدور الأبرز في نشوء تلك المشكلة وتفاقمها،إن الوضع جد خطير، وإن لم يقف المجتمع أمام هؤلاء التجار المتسببين في هذه الظاهرة فسيستمر الأمر في التفاقم وستتسع دائرة المعسرين حتى أننا يمكن أن نجدها في أقرب الناس إلينا، إن معالجة أي أمر سيئ تبدأ من معرفة مسبباته ووضع أيدينا عليها، ونحن في هذا المقال نوضحها جلية بأن التجار المقرضين هم أصل الداء، ويجب كفهم عبر كل الجهود المشروعة عن الاستمرار في مثل هذا الطريق الخاطئ.
وها هنا لابد أن تتداخل القوانين والتشريعات لتنظم هذه المسألة، ونحن على ثقة أن الأمور تتطور في اتجاه إيجابي من هذه الناحية. إذ إن جميع الشواهد الاقتصادية العالمية من حيث تعاملها مع هذه المسألة قد تركت أسلوب السجن ولجأت إلى أساليب أخرى يمكن أن يُستفاد منها في تسديد ديون المعسرين، ذلك أن السجن لا يُقدم ولا يؤخر بل يزيد من خطورة الأمر وتراكم طاقات المدينين، وبالتالي يعرض المؤسسات المدينة إلى أخطار اقتصادية من شأنها أن تؤثر على بنيتهم ومستقبلهم المالي.
يبقى إذا دورنا نحن كمجتمع وما يمكننا ممارسته للتعامل مع الواقع الحالي وإصلاحه، فدور الجمعيات الخيرية والإنسانية في هذا الاتجاه مشهود، حتى أن العلماء لم يتوانوا في إبداء آرائهم المعينة لتلك الجمعيات والجهود الإنسانية أن تكون وأن تستمر، فها هو ابن باز عليه رحمة الله يجيز في فتوى موثوقة له تسديد ديون المعسرين من أموال الزكاة دون إذن منهم أو رجوع إليهم على أصح القولين، وهكذا بفتواه هذه واجتهاده هذا يضع المجتمع بأكمله لدى مسؤوليته ويستنهض همم الجميع أن ييسروا على المعسرين ويقوموا بما يجب عليهم القيام به تجاههم.
وعلى جانب آخر يجب لتلك الظاهرة أن تُواجَه من منظور توعوي؛ بمعنى أن تُقام حملات لإبانة الوضع على المختلط عليهم، حملات تضع الناس والمواطنين لدى الفهم الصحيح الذي يبعدهم عن مثل هذه البيوع، وحملات أخرى موازية تشرح من وجهة اقتصادية للمنشآت والمؤسسات التي تتبع ذلك، بأن الضرر لن يقتصر في النهاية على الأفراد وإنما هو ممتد إليهم في النهاية كمؤسسات مختصة بالتمويل، إن لم يكن اليوم فغدا.
كما تبرز للمؤسسات والجمعيات الخيرية مسؤولية أخرى تتمثل في درء أسباب هذه الأزمة والوقاية من توجه الناس لمثل هذه الخيارات، وذلك من خلال توفير بدائل تمويلية معينة تساعد المحتاجين وتأخذ بأيديهم نحو اتجاه مثمر من الأعمال المشتركة، التي تسطر له حياة أفضل، وتعينهم على عدم اللجوء لمثل هذه الأنواع من المعاملات والبيوع.
وفي الحالات القائمة من المسجونين جراء عسرتهم، يحب أن نقف جميعا صفا واحدا لإعانتهم والخروج بهم عن محنتهم تلك، وإتاحة المجال لهم ثانية لمباشرة حياتهم والانضمام مرة أخرى لذويهم ومن يعولونهم، إن تفريج الكرب هو عهد المسلمين بعضم ببعض وليس أدل على عظم ذلك الأمر من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. الحديث).
