وانطلاقًا من كل ما سلف، وفي إطار قِراءاتي وذكرياتي التي هيمنتْ على «ذكريات مشوار حياتي» هذه، خلصتُ إلى وضع تصور موضوعي شامل للخلفية الأساس للحراك الثقافي الممنهج الأساس في قراءةٍ تاريخيةٍ موضوعيةٍ ذات شفافية لِمَسيرة شخصيات تاليةٍ أسماؤهم نظرًا لما لهم من تأثير حيوي وكبير في مسرح الحراك المشار إليه من داخل مُجتَمَعَي كل من بلدتيْ «الكويت» و«هجر» وقتها وهما: «صقر الشبيب»، و«عبدالعزيز بن صالح العلجي»، ومن خارجهما: «محمد فريد وجدي» من مصر، و«عبدالعزيز الثعالبي» من تونس.
يمثل الشيخ «عبدالعزيز بن صالح العلجي» المجتمع «المنغلق» ببلدة «هجر»، ويمثل الشاعر «صقر الشبيب» المجتمع «المنفتح» ببلدة «الكويت». هذا ما اخترته، واختياري لهاتين الشخصيتين كان بعد تأمل موضوعي ذا دلالة على بدايات نمو وعي جديد في مجتمَعَيْ بلدة «هجر» و«الكويت» فيما بعد. وما توصلتُ إليه، حقيقةً، عند النَّظر في حالة «الانغلاق الفكري» التي تجد جذورها، بصفة خاصة، في بلدة «هجر»، المتقوقعة ذاتيًا على نفسها كالصدفة التي تتغلف عليها قشرة لا تمتص أي تدفق ثقافي، ولا يحيط بها سوى رواسب متكلِّسة على قشرتها الصَّدَفِيَّةِ، هو تأكيد، ما سبق أن قلتُه من شأن إدخال «الفكر العربي المسلم» في قمقم منذ عهد «صلاح الدين الأيوبي» وإلى حِين.
والآن لماذا لا أبدأ، أولاً، بحال بلدة «هجر» فأتحدث عن الشيخ «العلجي». هذا الرجل الجليل من مواليد «البلدة»، حفظ القرآن الكريم عن ظهر غيب منذ نعومة أظفاره، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، اشتغل بالتجارة في بلدة «هجر» وخارجها في مطلع شبابه وخاصةً «بالكويت» إلاَّ أنه لم يُوَفَّقْ فيها، فاتجه إلى طلب العلم، وكان مالكي المذهب، فقرأ فقه الإمام «مالك بن أنس» على يد طلبة علم ببلدته، وكان مشهودًا له بالزهد والتعبد. وكان محل تقدير ممن حوله في بيئته، وإلى جانب ذلك كان من عمالقة الشعر التقليدي وقتها.
ويعتبر «العلجي» من الناحية التاريخية الصرفة، سياسيا مخضرما عَاصَرَ «العهد التركي» الأخير في بلدة «هجر»، كما عَاصَرَ «العهد السعودي» الأخير أي منذ أن استرد فيه الملك عبدالعزيز البلدة في عام 1331، وحتى عام 1362، وهو العام الذي توفَّاه الله فيه.
كانت «للعلجي» مواقف سياسية مشهود له فيها وهامة في العَهْدين «التركي» و«السعودي». ولكن هذه المواقف لا تعنيني هنا، إنما الذي يعنِيني هو البحث في كيفية تمكنه من تنصيب نفسه حَامِلاً لِواء الحفاظ على «المعتقد السلفي الديني» كما هو مُتأَصَّلٌ في مدارس «الوعظ» و«الأربطة» اللتين له فيهما باعٌ طويل، وهي مواقف كان لها مردود على «ذكريات مشوار حياتي» فيما استقبلته من أيام في حياتي.
بدأ «العلجي» نشاطه الديني حينما تقلَّد إمامة مسجد «آل بداح» الذي يقع في «حي الرفعة» بمدينة الهفوف، وكان يتولى التدريس فيه. ولِكثرة مرتادي المسجد، وحيث لا «وقف» عليه سَعَى له بأوقاف فاشْتُريَتْ له. واتخذ الشيخ «العلجي» المسجد مأوى له من الظهر إلى المغرب، وكان يُمارس الوعظ فيه. وقد تتلمذ على يديه كثير من طلبة العلم. وقد توارى المسجد عن الأنظار، وبقي مبنًى مهجورًا مهملاً.. ولكن بفضل الشيخ «عبدالله بن محمد الرومي» سبط الشيخ «العلجي» فقد تم إنقاذ المسجد مِنْ قِبَلِي شخصيًا وذلك حينما طَلَبَ مني «السبط» ذلك عندما كنت وزيرًا في وزارتي الملكين: خالد وفهد ابني الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. لقد اتصلت بكل من معالي الصديق الأستاذ عبدالوهاب عبدالواسع ومعالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزيري الأوقاف والمساجد والشؤون الإسلامية على التوالي فاهتما بالمسجد. وتم نقل المسجد إلى موقع جديد لأن موقعه القديم سَيُزَالُ في حركة تطويرية عمرانية عمَّت الكثير من نواحي مدينة الهفوف التاريخية. والمسجد الآن في عهدة إدارة الأوقاف والمساجد بمحافظة الأحساء لِبنائهِ وتشييده في موقع جديد.
كانت حماية «المعتقد الديني الإسلامي السلفي» الشغل الشاغل للشيخ «العلجي». وتمحور «المعتقد» حول أصول «العقيدة السلفية» كما تناولتها كتب المذاهب الإسلامية الأربعة عنها، وكذلك الكتب التي تفرَّعت عنها مؤلفةً من «أئمة المساجد» و«وعاظ الأربطة» ومن أهمها: «اتحاف الناسك بأذكار المناسك»، و«تجريد الكوكب المنير في الصلاة على البشير النذير» صلى الله عليه وسلم، و«تحفة الأخيار بمختصر الأذكار النووية»، و«حادي الأنام إلى دار السلام»، و«صفوة الدلائل في الصلاة على سيد الأوائل والأواخر» صلى الله عليه وسلم، و«فتح القوي بشرح الأربعين للنووي»، ومتن «إتحاف الطالب» في فقه العبادات، ومتن «تحفة المبتدئ» في فقه الصلاة، ومتن «وسيلة الطلب فيما لا يسع المكلف جهله من الأحكام» في فقه العبادات، و«مسلك البيان في شرح قلادة العقيان نظم شعب الإيمان»، ومنظومة «تحفة الطلاب في الفقه»، ومتن «سفينة النجاة».
هكذا كان «المعتقد الديني السلفي» هو المحور الأساس الذي كان بمثابة المظلة الكبرى لكل أوجه نشاط مدارس «الوعظ» و«الأربطة» في بلدة «هجر»، وكان «العلجي» صاحب «رسالة جليلة» في هذا الشأن مُهمتها الحث على حماية هذا المعتقد، والدعوة لنصرته. هكذا كان حاله في بيئة «هجر»، وهي البيئة التي كان من أهم رموزها. وحينما سَيْطَرَ الولاة الجدد من «آل سعود» في عام 1331 على بلدة «هجر» كان «العلجي» سعيدًا، وَوَجَدَ في ذلك فرصةً حيث بَثَّ تباريحه في معان واضحة وصريحة بدأها بإعلانه أن الله سبحانه وتعالى قَدَ حَرَسَ بجلالة الملك «عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود» لا بلدة «هجر» فحسب، ولكن «شبه الجزيرة العربية» لدرجة أن غَدَتْ عزيزةً على الأعداء، وذات منعة فقال:
بِهِ حَرَسَ اللهُ الْجَزِيرَةَ فَاغْتَدَتْ
أَعَزَّ عَلَى الأَعْدَاءِ نَبْلاً وَأَبْعَدَا
أما لماذا كانت شبه الجزيرة العربية ذات منعةٍ وعزةٍ في عهد الملك «عبدالعزيز»؟ فأجاب «العلجي» في شفافية تامة لأنها كانت قبل عهد «عبدالعزيز» مهددةً «بالأفرنج» الذين مَدَّوا لها من البغي والكيد ما جَعَلَ نهارها يشبه الليل الأسود فقال في بيت ثان:
وَكَانَتْ يَدُ الإِفْرَنْجِ مَدَّتْ لأِهْلِهَا
مِنَ الْبَغِي كَيْدًا يُشْبِهُ اللَّيْلَ أَسْوَدَا
وكشف «العلجي» عن فرحته فَوَصَفَ الملك «عبدالعزيز» بالبدر المنير الذي به تشرَّد ليلُ البغي الأسود في خزيٍ فقال:
فَأَشْرَقَ كَالبَدْرِ الْمُنِيرِ بِأُفْقِهِ
فَأَصْبَحَ لَيْلُ الْبَغْيِ عَنْهَا مُشَرَّدَا
ومن ثم انصرف «العلجي» مُهنئًا المسلمين بهذا الملك الجديد، ومُطالبهم، في الوقت نفسه، بأن يُؤيدوه ويٌنصروه «مُسَوَّدًا» و«إمامًا» لهم فقال:
فَقُلْ لِبَنِي الإْسْلاَمِ يَهْنِيكُمُ بِه
مَسَاعِي إِمَامٍ أَثْبَتَتْ فَوْقَكُمْ يَدَا
فَأَدُّوُا لَهُ شُكْرًا وَقُومُوا لِنَصْرِهِ
بِكُلِّ سَبِيلٍ وَارْتَضُوهُ الْمَقَلَّدَا
وَقُولُوا لَهُ أَنْتَ الْمَسَوَّدُ وَالذِي
يَكُونُ لَهُ التَّقْدِيمُ وَصْفًا مُخَلَّدا
وطالب «العلجي» المسلمين أن يتوجهوا «للصَّلِبيين» مطالبينَ إياهم بأن يقهقروا، ويراجعوا أرواقهم، ويكفُّوا عن المساس بالإسلام للأبد فقال:
وَقُولُوا لِعبَّادِ الصَّلِيبِ َقَهْقَرُوا
وَكُفُّوا عَنْ الإِسْلاَمِ كَفًا مُؤَبَّدَا
أمَّا لماذا أصبحت يد المسلمين قوية مرفوعة؟ فأجاب «العلجي» بأن الأمة الإسلامية «أمة» أوجد الله سبحانه وتعالى لها «إمامًا» مُجَدِّدًا لرسالة نبيه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم:
فَذِي أُمَّةُ رَبُّ الْبَرِيَّةِ لّمْ يَزَلْ
يُقِيمُ لَهَا مِنْهَا إِمَامًا مُجَدِّدَ
