DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

مقتطفات من ذكرياتي (12)

مقتطفات من ذكرياتي (12)
كلمة ذات منهجية عِلمية لتقويم أحوال مدارس «الوعظ» و«الأربطة» وذلك حينما حَصَّنَ الكثير من روادها أنفسهم كإطار عام «بفكر محافظ» قوامه صون العقيدة، وحمايتها، والدفاع عنها كما هي في مراجعها الأصلية ضد موجة طارئة «لفكر تنويري» كان وقتها يحاول النفاذ بقوة إلى ذلك «الفكر المحافظ» لترويضه. كانت رموز «الفكر التنويري» طلبة علم نشأوا وتربوا في محميات وبلدان عربية وغير عربية كانت تحت سيطرة «الإمبراطورية البريطانية»، وهي الإمبراطورية التي كانت وقتها، كما يقال، لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها. لقد ترتَّب على تلك الموجة الطارئة نشوء «حراك ثقافي» بين فكريْن: «فكر محافظ»، و«فكر متنوِّر». ولكلا الفكرين أبطال كان مسرحهم الأساس في عُمْقِ ثلاثة بلدان متجاورة هي: «البحرين»، و«الكويت»، و«هجر». ولدى النَّظر في نشأة ذلك الحراك لا بد من تتبع خلفيته في جذور ديمغرافية النسيج السكاني في كل من البلدان الثلاثة المشار إليها.
ففيما يتعلق ببلدة «هجر» فنسيج سكانها، وكما سبق القول، تَكَوَّنَ من أعراق مختلفة: عرب وهنود وفرس، وكانت معتقدات نسيجها الديني ذات تنوع، ولم يتأثر هذا التنوع بما عانت منه البلدة نفسها من صروف الدهر وتقلباته ومحنه ذات الطبيعة المأساوية، ناهيك عن بعدها عن السيطرة الأوربية ذات النزعة الاستعمارية إذ كانت خارج هذه السيطرة لأسباب حتى الآن لم أتكمن من التعرف على أسبابها أو مُسبباتها. ولعلها حماية من الله سبحانه وتعالى لها ربما وربما وأقول ربما!!! وتمركز «الفكر المحافظ» في بلدة «هجر» حول تعاليم «المعتقد الديني المحافظ» المحض الذي رأى الكثير من رعاته، تغمدهم الله برحمته، وهم نخبٌ في مدارس «الوعظ» و«الأربطة»، أنه كاف، وكانوا وهم يتمحورون حول تلك التعاليم يَدُورُون في منعطفات أشبه ما تكون بـ«خلية نحل» مقفلة لا شأن لهم، ولا علاقة بأحوال بيئتهم وحاجاتها وتطلعاتها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. كان هَمُّ هؤلاء الطلبة الأول والأخير هو التنقل بحرية داخل الخلية المقفلة في حِلَق دينية من مذهب لآخر. بل وكان طلبة العلم هؤلاء معزولين تمامًا عن الغالبية العظمى من شرائح المجتمع ذات التجانس المتعدد الأعراق. ولقد تم تحصين «المعتقد الديني» بفكرة عامة أُسُّهَا ولُبُّها وجوهرُها آية 22 من سورة الزخرف. قال تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمَّةٍ وإنا على آثارهم مهتدون). والذين تبنَّوا ما تضمنته الآية الكريمة، وهم محدودو العدد، كانوا على صوابٍ في ظل الظروف المحيطة بهم، وهي الظروفُ التي كانت أحوالها الاجتماعية مأساوية، ناهيك عن أن مناخاتها فارغةٌ تمامًا من كل تأمل معرفي وذلك لعدم وجود مدارس للتربية والتعليم كما هي معروفة في أيامنا المعاصرة. وهكذا تم تقديس «الحالة الدينية» واحترامها، والتمسك بها وفقًا لقاعدة «أنه ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن» من قبل رموزِ طلبة العلم المتمسكين بتلك القاعدة، والحق أقول عنهم إنهم، وإن كانوا محدودي الثقافة، ولم ينفتحوا على غيرهم، إلاَّ أنهم في توجهاتهم الدينية من ذوي النية الحسنة في ظل الظروف المحيطة بهم.
حال بلدة «هجر» لم يبق مُتجمدًا ساكنًا، وأكرر لم يبق مُتجمدًا ساكنًا، لأسباب منها: أن البلدة ذات تجانس سكاني متعدد الأعراق؛ ولم تكن البلدة بمنأى عن بلدتين مجاورتين (وبالأخص الكويت) التي كان التنقل بين أهلها وبين أهالي البلدتين مُيسرًا، وعلى قدم وساق، وفي حرية شبه تامة إذ لم تكن هناك وقتها عوائق حدود أو موانع جمركية تعوق ذلك التنقل. وكان للتنقل أغراض منها: طلب العلم، والتجارة، والبحث عن عمل، والزواج. وهكذا تولَّدت حالة حراك وتفاعل بين أهالي «هجر» وبين أهالي البلدتين المجاورتين لها، ناهيك عن أن الغالبية الكبرى من سكان البلدتين، وهذا عنصر مهم للغاية، كانت تعاني مما عانت منه بلدة «هجر» في خصوص «سيادة الأمية».
ومع ذلك فمن حقائق التاريخ أن الأحوال التي مرَّت على بلدة «هجر» خلال القرون الأربعة الأخيرة ذات طبيعة خاصة، وقَلَّ أن يُوجد لها مثيل حتى في أحوال البلدتين المجاورتين لها. احتضنت بلدة «هجر» مذاهب إسلامية متعددة، وكان القاسم المشترك لهذه المذاهب والجامع لشملها هو «وئامها الاجتماعي التام»، وبُعدها عن أي حراك من طبيعة سياسية أو اجتماعية أو طائفية، وهو وئامٌ ظَلَّ، من وجهة نظري، ثابتًا وَصَلدًا وذلك على الرغم من تعدد الولاة ذوي الميول السياسية المتباينة الذين تعاقبوا على حكم البلدة. وللزراعة دور كبير في ضبط وربط «الوئام الاجتماعي التام» مما درسته وأن التأمل فيه يخرج عن إطار ذكريات مشوار حياتي لأنني لست مُزارعًا ولم أملك مزرعة.
تَعَدُّدُ الولاة على حكم بلدة «هجر»، وإن تباينت مشاربهم واختلفت مصالحهم، لم يكن الشغل الشاغل للشريحة الكبرى من السكان. وهذا وضعٌ ثبت تاريخيًا. وحال الشريحة الكبرى، كما ثبت تاريخيًا كذلك، هو أنها في كُلِّ توجهاتها الدينية كانت تابعة لمشايخها. حماية المعتقد الديني في بلدة «هجر» ذات أهمية كبرى كما أسلفتُ، ورأى طلبة العلم الديني أن توفير الحماية مهمة شاقة وذلك حينما تناهت إلى أسماعهم أخبار عن وجود تيارات مختلفة وجديدة في البلدتين الـمُتجاورتين لبلدتهم (الكويت والبحرين) فرأوا أن يصمدوا بعنف وقوة وحزم وعزم ضد تيارات تيقنوا، بحسن نية، أنها ذات مساس بمعتقدهم.
لأترك حالة «البحرين» جانبًا لأنني سوف أناقش وضعها عند مناقشة حركة «التبشير» التي كانت على أشدها ونشطة بها، ناهيك عن حركة إطلاق «الحريات الفردية» بها كذلك، وهما حركتان لم تعرفهما بلدة «هجر» لأنها لم تخضع تحت سيطرة سلطة استعمارية أوروبية النزعة. كما أن «الكويت» وإن كانت تحت السلطة نفسها إلا أن السلطة نأت بالكويت أن تكون مركز تبشير بها.
وسوف أناقش حال «الكويت» لما لها من خصوصية مشابهة لخصوصية بلدة «هجر» وذلك بسبب حرية التنقل التامة بين أهالي البلدتين. وَعَزَّز من هذا التشابه تشوق البعض من أهالي الكويت، لأن جذور البعض من أسرهم من «هجر»، في إرسال أبنائهم لبلدة «هجر» للارتشاف من «تعاليم الديني» المحض فيها هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى هناك تواصل مُتبادل بين بعض «النُّخُبِ» من طلبة العلم الديني في بلدة «هجر» وبعض أهالي الكويت حيث كان الأولون، وعلى رأسهم الشيخ «عبدالعزيز بن صالح العلجي»، يتوجهون للوعظ بالذات في مساجد «الكويت»، وكانت هناك ضرورة لذلك حيث كانت تصل بعض «نُخُبِ» «الكويت» معلومات عن توجهات يرون أنها متطرفة جدًا ببلدتهم، كما هو ثابتٌ وراسخٌ في بلدة «هجر»، لذلك كان وجود «العلجي» كداعيةٍ مهمًا في «الكويت». وكان الأهم من ذلك أن «النُّخُبَ» في بلدة «هجر» كانوا يخشون أن يصل ذلك «الفكر» في بلدة «الكويت» إلى حدود بلادهم، فرأوا أن محاربته بصفة استباقية، وعن بُعْدٍ، تقتضيه ضرورة قصوى.
حال مجتمع «الكويت» إذا ما قُورن بحال مجتمع بلدة «هجر» مختلفٌ في أمر واحد وهو أن «الكويت» كان تحت «السيطرة البريطانية»، وهي سيطرةٌ حتَّمَتْ على «الكويت» أن تفتح أبوابها على مصراعيها لِتقبل تيارات من طبيعة «تنويرية» من عموم البلدان التي كانت تحت السيطرة، والتي كانت تدعو لتوجهات لم تكن مألوفة لإهالي بلدة «هجر» الذين كانوا بمنأى عن «السيطرة البريطانية»، وإن كان النُّخُبُ في بلدة «هجر» قد وجدوا أن تلك التوجهات ذات ريبة وشك، وتُمثِّلُ خطرًا كبيرُا على معتقدات أهاليهم، وما لم يتم مقاومة ذلك الخطر بقوة وعزم فسيكون له مساس «بالمعتقد الديني الاسلامي المحض» ذي الهيمنة الكبرى على كافة شرائح المجتمع إلاَّ ما ندر.
وكما سنرى كان طلبة العلم ببلدة «هجر» منغلقين متقوقعين على أنفسهم، ويبذلون كل جهد ممكن لصيانة «المعتقد الديني المحض» بكافة السبل والمتمثل في «أربطة» ومدارس «وعظ» باعتبارهما المظلة الكبرى للمعتقد. أمَّا في مجتمع الكويت ففيه «حراك ثقافي» ذو مدلولات دينية محافظة من جهة، وتنويرية مناقضة لها من جهة أخرى، وهو مجتمعٌ يفتقر إلى قاعدة دينية صلدة كالتي ببلدة «هجر»، لذا كان من السهل نتيجة فقدان تلك القاعدة هيمنة فكرتين متناقضتين على المجتمع الكويتي وهما: «الانغلاق» من جهة، والانفتاح من جهة أخرى. كانت فكرة «الانغلاق» مهيمنةً على السواد الأعظم من السكان لأنهم كانوا مُتعاطفين مع طلبة العلم الديني في بلدة «هجر»، ومُؤيدين «للمعتقد الديني الاسلامي المحض» المحافظ بها. وعلى النقيض من فكرة «الانغلاق»، هناك فكرة «الانفتاح»، ولأسباب استعمارية بحتة كما سبق القول، مهيمنةً على قلة من مجتمع الكويت، ولكنها قلة فتحت أبوابها للفكرة المحتضنة لتيارات من طبيعة تنويرية ونهضوية كانت وقتها منتشرة في بلدان منها «مصر» وهي التي كانت وقتها «محمية بريطانية» صرفة بعد الحرب العالمية الثانية.
المزيد من المقالات

اكثر قراءة

المزيد