DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

الإيجابية المفرطة

الإيجابية المفرطة
الإفراط في أي شيء من المرجح أن ينعكس على المرء سلبا حتى لو كان أمرا حميدا، والإيجابية الزائدة هي في رأيي صورة من صور هذا الإفراط، وهؤلاء الإيجابيون ممن افهموا بأنه حينما يكون نصف أو ربع الكوب ممتلئا فلأمر جيد هم - في رأيي - ضحايا لفهم خاطئ، لأن فهم الإيجابية بهذه الطريقة يصيب المرء بالخمول تجاه تحسين أي وضع، والرضا بأنصاف الحلول وأنصاف الإنجازات، كما أنه يبرر لضعف وقلة الإنجاز أو حتى عدم الإنجاز أحيانا، كل هذا بدافع الإيجابية. ولاحظ أن تحول المرء الى السلبية المفرطة ليس بحل أيضا، ولكني لن أتناول السلبية في هذا المقال حتى لا يتشتت ذهن القارئ.
الإنجاز المتميز لا تخطئه عين الأغلبية، سواء كان هذا الإنجاز إنتاجا فكريا، أو إنجازا هندسيا، أو مشروعا اقتصاديا أو غيره من الإنجازات التي يمكن أن يقوم بها شخص أو جماعة، ولكن حينما تنجز هذه الأعمال بطريقة وأسلوب بعيد كل البعد عن الإتقان، وربما بعد صبر طويل، وتنهال عليها الانتقادات من كل صوب، يأتي من يقول «لنكن إيجابيين وننظر الى نصف الكوب الممتلئ» وقصده من هذه المقولة واضح بطبيعة الحال، ولكني أعتقد أن الكثير ممن يتبنون هذه المقولة لديهم قناعة راسخة بأن النقد والانتقاد شيئان سلبيان وضاران يجب ألا يحتلا مساحة من تفكير المرء، وهذا في رأيي صورة من صور الإيجابية المفرطة ومبنية على منطق لو تم تتبعه لانتهى الأمر بالرضا بكون الإنسان على قيد الحياة ويستطيع أن يتنفس، وهذه بلا شك نعمة، ولكن لا أعتقد أنها مدعاة لعدم المطالبة بالأفضل.
هذه الإيجابية المفرطة يمكنها أيضا أن تفقدنا الاتصال بالواقع، فيمكننا أن نعتقد أن كل الظروف من حولنا بقدرة قادر سوف تتهيأ وتتشكل لخدمتنا، وسوف تتحقق طموحاتنا الواحدة تلو الأخرى فقط لأننا تبنينا او تحولنا الى النظرة الإيجابية، مما قد يقودنا الى الاندفاع، وأي نقد أو انتقاد لهذا الاندفاع سيتم تنحيته جانبا بدافع الإيجابية، وأنا هنا أقول (بدافع) الإيجابية وليس (بحجة) الإيجابية، لأن من يتبنى الإيجابية المفرطة يؤمن بها إيمانا راسخا لا يتزعزع، وينظر الى أي نقد او انتقاد بأنه معول هدم أو أداة تعطيل.
لا يلام المرء في تبني الإيجابية حتى الإفراط، فاللفظ كله خير ويدعو الى التفاؤل، لكن، وبحسب ما يظهر لي أن ثنائية الإيجابية والسلبية أثرت على اللفظ الأول كثيرا وكأنك إن لم تكن إيجابيا فأنت سلبي، وهذا وغيره مؤشر على أن النقد ما زال في معية كل ما هو سلبي، الى درجة أنك تضطر الى أن تردف كلمة النقد بالإيجابية بطريقة أو بأخرى، فتقول: «نقد بناء او نقد إيجابي»، وهذا أمر خطير في الواقع، لأنه من ناحية يدفع الى تبني أو تقبل أي فكرة ترددها الأغلبية أو من لهم الصوت الأعلى بدافع الإيجابية، ومن ناحية أخرى يمنع تناول أي شيء بنقد بأي صورة كانت أن النقد في أساسه سلبي بحسب الفهم السائد.
الإيجابية المفرطة تجاه بعض القضايا من قبل بعض النخب تجعلك تتأمل في أحوال هذه النخب قليلا، فالكثير منهم ينفلت لسانه وقلمه إيجابية فهو لا يرى نورا في آخر النفق فقط، بل لا يرى النفق بأكمله، والان نرجع للكأس الممتلئ نصفه، ونطرح التساؤل التالي بأي دافع يمكن للمرء أن يسأل عن نصف الكأس الفارغ؟ وقياسا على ذلك يمكن للمرء أن يسأل السؤال الأشمل: هل يعتبر المرء الذي يتناول أي قضية بنقد شخصا سلبيا ممن يساهمون في تعطيل عجلة التقدم، أم أنهم يحسنون صنعا؟.
[email protected]